كان مدلول التشيع في بدء الفتنة التي وقعت في عهد علي رضي الله عنه بمعنى المناصرة والوقوف إلى جانب علي - رضي الله عنه - ليأخذ حقه في الخلافة بعد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأن من نازعه فيها فهو مخطئ يجب رده إلى الصواب -ولو بالقوة - وكان هؤلاء من شيعة علي بمعنى أنصاره وأعوانه. ومما يذكر لهم هنا أنهم لم يكن فيهم من بغى على المخالفين لهم، فلم يكفروهم، ولم يعاملوهم معاملة الكفار، بل يعتقدون فيهم الإسلام، وأن الخلاف بينهم لم يتعد وجهة النظر في مسألة سياسية حول الخلافة.
ولم يقف الأمر عند ذلك المفهوم من الميل إلى علي - رضي الله عنه - ومناصرته إذ انتقل نقلة أخرى تميزت بتفضيل علي - رضي الله عنه - على سائر الصحابة، وحينما علم علي بذلك غضب وتوعد من يفضله على الشيخين بالتعزير، وإقامة حد الفرية عليه [1] .
ثم بدأ التشيع بعد ذلك يأخذ جانب الغلو أكثر والخروج عن الحق، وبدأ الرفض يظهر، وبدأت أفكار ابن سبأ تؤتي ثمارها الخبيثة فأخذ هؤلاء يظهرون الشر، فيسبون الصحابة ويكفرونهم ويتبرؤون منهم، ولم يستثنوا منهم إلا القليل (ثلاثة أو سبعة) وحكموا على كل من حضر (غدير خم) بالكفر والردة لعدم وفائهم - فيم يزعم هؤلاء- ببيعة علي- رضي الله عنه -. وكان عبد الله بن سبأ هو الذي تولى كبر هذه الدعوة الممقوتة الكافرة، وقد علم علي- رضي الله عنه - بذلك فنفاه إلى المدائن.
وأخيرًا بلغ التشيع عند الغلاة إلى الخروج عن الإسلام، حيث نادي هؤلاء بإلوهية (علي) . وقد أحرق علي - رضي الله عنه - كل من ثبت أنه قال بهذا الكفر.
وانقسمت الشيعة إلى فرق عديدة أوصلها بعض العلماء إلى ما يقارب سبعين فرقة.
وبدراسة تلك الفرق يتضح أن منهم الغلاة الذين خرجوا عن الإسلام وهم يدّعونه ويدّعون التشيع، ومنهم دون ذلك.
ومن الطبيعي جدا أن يحصل الخلاف بين الشيعة، شأنهم شأن بقية الفرق أهل الأهواء، فما داموا قد خرجوا عن النهج الذي ارتضاه الله لعباده، واستندوا إلى عقولهم وأهوائهم فلا بد أن نتوقع الخلافات خصوصًا حينما يكون الخلاف مرادا لذاته.
(1) انظر مختصر التحفة ألاثني عشرية، ص: 5 - 6.