وإنه لمن الغريب أن يتخذ بعض الشيعة من تقبيل الحجر الأسود دليلًا على جواز تقبيل الأضرحة والتمسّح بها، فإنهم من أشد الناس معارضةّ للقياس في استنباط الأحكام الشرعية.
ومع ذلك نقول: إن الذي أباح لنا تقبيل الحجر لم يبح لنا تقبيل أعتاب وأحجار القبور، بل لم يُعهد مثل هذا في جيل الصحابة وحتى الآل، ولم يكن علي رضي الله عنه يتردد على قبر نبيه صلى الله عليه وسلم وقبور أقربائه ويقبّلها كما يفعل المنتسبون إليه اليوم.
ويكفي للمنصف أن ينظر إلى ما يفعله الشيعة عند قبور الأئمة والأولياء في البلاد الإسلامية، ثم ليقارن بينها وبين ما يفعله النصارى عند مقامات وأديرة رهبانهم، وهم يتمسّحون بصور وتماثيل المسيح وأمه، وكيف يفعل البوذيون والهندوس الشيء نفسه في معابدهم من تقبيل العتبات والبكاء عندها، وتقديم النذور وإلقاء الأموال وطلب الحاجة إلى الأموات من دون الحي الذي لا يموت، إن مصدر التشريع لدى هؤلاء كلهم واحد إلا وهو الشيطان، إذ زين لهم أعمالهم كما زين لمشركي قريش من قبل، قال تعالى: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ(48 ) ) [الأنفال:48] .
لقد بقى أهل السنّة على الوسط بين من سبّوا أهل البيت، وبين من أفرطوا في حبهم حتى توجهوا إليهم بالأدعية وشدوا الرحال إليهم وجعلوا زيارة قبورهم أكثر ثوابًا من زيارة بيت الله.
إن أهل السنة يستنكرون أن تكون القبور واسطة بين العباد وبين ربهم، إنه لا يجتمع المسجد والقبر في دعاء الموحِّد الواثق بالله، إن القبر والمسجد نقيضان لا يجتمعان في عبادة عابد لله تعالى، قال الله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18 ) ) [الجن: 18] . إنه لمن الشرك ومن سخف العقول أن يذهب الرجل إلى المسجد يقول:"يا الله"ثم يخطوا قليلًا إلى القبر ويقول:"يا علي يا حسين".
إننا لو فرضنا أن مجرد زيارة قبور أئمة أهل البيت تعدل مئة حجة فلماذا لا تكون زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - تعدل مثل هذا الأجر أو ربما أكثر؟ لماذا نجد الغلوَّ في أهل البيت، بينما لا نجد مثله أو ربما أكثر منه في حق النبي - صلى الله عليه وسلم: هل يحبون أهله أكثر منه؟!