كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يعقلون قدر القرآن, عظُم شُّغلهم به, فهم إذ يقولون في معتقدهم: القرآن كلامُ الله. إنما يقصدون بذلك ما له من مزيد العظمة, فقصروا الإخبار عن صفات القرآن كُلِّها بالإخبار عنه بهذه الصفة فقالوا: القرآن كلامُ الله. وإذا كان القرآن كلامُ الله فلا أعلى منه ولا أحلى على القلوب من إجرائه على الألسنة, وقديمًا قال بعضُ الأدباء: كلامُ الملوكِ ملوكُ الكلام. فإذا كان هذا كلامُ ملوك البشر له حضرةٌ ومنزلةٌ عندهم, فكيف بكلام ملكِ الملوك سبحانه وتعالى! فحملهم عَقلُهم لهذا الأمر واطلاعهم على صفات القرآن الكريمة ومناقبه الجليلة على الإقبال على القرآن الكريم, وشغلِ وقتهم به, وردِّ علمهم كلهم إليه, فقد كانوا يرون أن العلم في القرآن كما قال ابن عباس رضي الله عنه:
جميعُ العلمِ في القرآن لكن ... تقاصروا عنه أفهامُ الرجالِ
فلا يعرفون سلوةً بغيره, كما قال بعضُ أصحاب مالك: عجبنا من نزع مالكٍ من القرآن, فسألنا أخته عن شُغلِه. فقالت: إنه إذا دخل البيت لم يكن له شغلٌ إلا القرآن. أي عجبنا من قوة استنباطه من آي القرآن, فأحببنا أن ننظر في ما يشتغلُ به, فسألوا أخته فأرشدتهم إلى أنّ شُغله إذا دخل البيت هو قراءة القرآن الكريم.
ومن أدمن قراءة القرآن الكريم تفجرت له ينابيع فهمه, لأن إدمانه قراءَته دليلُ شغفه به, وإقباله عليه, ومن لطائف السؤالات ومنيح الجوابات أن الشيخ عبدالرحمن الدوسري رحمه الله تعالى سئل عن آلة التفسير؟ فقال: أولُ آلةِ التفسير فرحُ المُفسر بالقرآن. أي محبته للقرآن الكريم, وتعظيمه له, ونظره إليه نظر استجلال وإكبار؛ فإذا وقر هذا المعنى في قلبه عَرف قدره فأحبه وفرح