به, وكان سلوته وخلوته ولذته وأنسه إذا أنس الناس بالجلوات وحديث الناس, فتتفجرُ حينئذٍ ينابيعُ الحكمة على لسانه, ويفهم من كلام الله سبحانه وتعالى ما لا يفهمه غيره من أضرابه وأقرانه.
فمنفعة الاطلاع على صفات القرآن ومناقبه الجليلة التي ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى طرفًا منها, أنها تحملُ النفس وتجعلها مُشرفةً لابتغاء الاطلاع على هذا الكتاب واستنباط كنوزه.
وكلُّ كتابٍ تفنى فوائده وتنقضي عوائده إلا القرآنَ الكريم, فإنه يتجددُ من فوائده ويظهر من عوائده باعتبار ما يفتحُ الله سبحانه وتعالى لمن يفتح عليه من خلقه, فلا يُزهدك في فهم القرآن كثرة كتب التفسير, فإنها في الحقيقة أكثرها من قبيل نقلِ بعضهم عن بعض, وعلمُ التفسير كما ذكر الزركشي رحمه الله تعالى في (( قواعده ) ): هي من العلوم التي لم تنضج ولم تحترق. وسيبقى كذلك, لأن الخلق تعجزُبُ علومه وتعجزُ فُهومهم عن الإحاطة بكلام الله سبحانه وتعالى, ولكن في إقبال المرء عليه شغلٌ لنفسه بأعظم العلم وأصله ومرجعه ومرده, ومن أراد أن يفهم منه العلوم قدر على ذلك إذا فتح الله عزّ وجلّ له بفتوح العارفين, فانتفع به في كلِّ علمٍ أصليٍّ وآليّ.
وهذا الأمر إنما حُجب عنه الناس بأمورٍ منعتهم من التفسير, وسيذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن مدارها على أمرين فيما يستقبل.
اخبرني الشيخ الإمام العالم أبو زكريا محي الدين يحيى بن يوسف بن يعقوب الرحبي إجازة, والحاج محمد بن إبراهيم بن عمر المعروف بالدبس, قالا