فهرس الكتاب
صدره، وكثرة صفحه، وأن ذلك لم يقع منه حتى تكرر موجبه منهن - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهن» [1] .
قلت: لكن يلزم من هذا الجمع أن التخيير قد وقع أيضًا بسبب الحادثتين حادثة التحريم، وحادثة طلب زيادة النفقة، وأن الاعتزال وقع بسبب الحادثتين أيضًا.
وقد يقال: وما المانع من ذلك؟
قلت: المانع من ذلك النصوص الواردة في كلا القصتين، وبيان ذلك: أن التخيير في آيتي سورة الأحزاب قد نزل بسبب طلب زيادة النفقة، يدل على ذلك حديث جابر بن عبد الله وهو نص في محل النزاع، وظاهر الآية يؤيد ذلك، كما أن سبب
(1) «فتح الباري» (9/ 201) ، وقال الغزالي في «الوسيط» (5/ 9) : «إنما اختص في أمر النكاح بوجوب التخيير لنسائي بين التسريح والإمساك، ولعل سره فيه أن الجمع بين عدد منهن يوغر صدورهن بالغيرة التي هي أعظم الآلام، وهو إيذاء يكاد ينفر القلب، ويوهن الاعتقاد، وكذلك إلزامهن الصبر على الضرر والفقر يؤذيهن، ومهما ألقى زمام الأمر إليهن خرج عن أن يكون بصدد التأذي والإيذاء، فنزه عن ذلك منصبه العلي، وقيل له: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} ونزل ذلك عليه حين ضاق صدره - صلى الله عليه وسلم - من كثرة خصامهن، واقتراحهن زينة الدنيا حتى آلى عنهن، ومكث في غرفته شهرًا، فابتدأ بتخيير عائشة رضي الله عنها وقال: «إني ملق إليك أمرًا، فلا تبادريني بالجواب حتى تؤامري أبويك، وتلا الآية، فقالت: أفيك أوامر أبوي؟ اخترت الله ورسوله والدار الآخرة» . ثم قالت: لا تخبر زوجاتك باختياري إياك، وأرادت أن يختار سائر زوجاته الفراق، فطاف على نسائه، وكان يخبرهن باختيار عائشة إياه فاخترن الله ورسوله بأجمعهن».