قال علماؤنا: فالفتنة إذا عمت هلك الكل، وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وإذا لم تُغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها. وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم .. وبهذا قال السلف رضي الله عنهم» [1] .
الثاني: الهجر على وجه التأديب والعقوبة، وهو هجر أهل المعاصي والمنكرات والمخالفات وهو بمنزلة التعزير، ويفعله إذا رآه أقوى في نفسية الفاعل من التغيير باليد واللسان أو إذا عجز عن التغيير باليد واللسان.
فإذا أظهر الإنسان المكلف معصيته أو عرف بها وأصر عليها سواء أكانت هذه المعصية فعلية أم قولية أم اعتقادية فمن السنة هجره، فالهاجر يثاب عليه؛ لأنه من أجل الله تعالى.
وقد هجر النبي - صلى الله عليه وسلم - كعبًا وصاحبيه وأمر الصحابة بهجرهم خمسين يومًا. وهجر نساءه شهرًا. وهجرت عائشة - رضي الله عنها - ابن أختها عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - مدة.
ورد عن كعب بن مالك- وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم - «أنه لم يتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها قط غير غزوتين غزوة العسرة وغزوة بدر. قال: فأجمعت صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحى، وكان قلما يقدم من سفر سافره إلا ضحى. وكان يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين،
(1) الجامع لأحكام القرآن. القرطبي م 4 جـ 7 ص 392. باختصار.