الصفحة 99 من 102

فأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟، والله لن يتخلى عن عبده إذا جاءه يسعى مقبلا إليه.

أرأيت لو أن ولدا كان يعيش في كنف أبيه يغذيه بأطيب الطعام والشراب ويلبسه أحسن الثياب، ويربيه أحسن التربية، ويعطيه النفقة، وهو القائم بمصالحه كلها، فبعثه أبوه يوما في حاجة، فخرج عليه عدو في الطريق، فأسره وكتفه وشد وثاقه ثم ذهب به إلى بلاد الأعداء، وصار يعامله بعكس ما كان يعامله به أبوه فكان كلما تذكر تربية أبيه، وإحسانه إليه المرة بعد المرة، تهيجت من قلبه لواعج الحسرات، وتذكر ما كان فيه من النعيم، فبينما هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب ويريد ذبحه في نهاية المطاف، إذ حانت منه التفاتة نحو ديار أبيه، فرأى أباه منه قريبا فسعى إليه وألقى بنفسه عليه وانطرح بين يديه، يستغيث يا أبتاه! يا أبتاه! انظر إلى ولدك وما هو فيه، والدموع تسيل على خديه، وهو قد عانق أباه والتزمه، وعدوه يشتد في طلبه حتى وقف على رأسه وهو ملتزم لوالده ممسك به، فهل تقول إن والده سيسلمه في هذه الحال إلى عدوه ويخلي بينه وبينه؟

فما ظنك بمن هو ارحم بعبده من الوالد بولده، ومن الوالدة بولدها، إذا فر عبد إليه، وهرب من عدوه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت