كان منها إلا أن شاركتني في البكاء، واختلطت أصواتنا، وظللنا على هذا الحال ساعة أو أكثر ثم أخذتها معي إلى البيت وآليت على نفسي أن أطيعها ما حييت، يقول: وأنا الآن أعيش أحلى وأسعد أيامي مع حبيبة العمر: أمي ـ حفظها الله.
روي أن أحد الصالحين كان يسير في بعض الطرقات، فرأى بابا قد انفتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكرا فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه، ولا من يؤويه غير والدته فرجع مكسور القلب حزينا فوجد الباب مغلقًا فتوسده ووضع خديه على عتبة الباب ونام ودموعه على خديه، فخرجت أمه بعد حين، فلما رأته على تلك الحال لم تملك إلا أن رمت بنفسها عليه والتزمته وهي تبكي وتقول: يا ولدي أين ذهبت عني ومن يؤويك سواي، ألم أقل لك لا تخالفني ولا تحملني على عقوبتك، بخلاف ما جلبني الله عليه من الرحمة بك والشفقة عليك، ثم أخذته ودخلت، ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الله أرحم بعباده من هذه بولدها» [1] .
(1) رواه مسلم.