فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 188

الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر [1] فتجهز إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غازيا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل كذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أترحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصًا [2] عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك:"ما فعل كعب بن مالك"؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه والنظر في عطفيه [3] . فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبينما هو على ذلك رأى رجلًا مبيضا [4] يزول به السراب [5] ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كن أبا خيثمة" [6] ، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حتى لمزه المنافقون. فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد توجه قافلًا من تبوك حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول:

(1) أصعر أى أميل. انظر: شرح النووي على مسلم، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، المؤلف: أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي، ط 2، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1392 هـ، (17/ 89) .

(2) مغموصا أي متهما به.

(3) عطفيه أى جانبيه وهو اشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه.

(4) قوله (رجلا مبيضا) أي لابسا ثيابا بيضا، انظر: لسان العرب مادة (بيض) .

(5) السراب أى يتحرك وينهض والسراب هو ما يظهر للانسان في الهواجر في البرارى كأنه ماء.

(6) أبو خيثمة الأنصاري السلمي قال الواقدي: اسمه: عبد الله بن خيثمة، شهد أحدا وبقي إلى خلافة يزيد بن معاوية، انظر: الإصابة (4/ 54) ، وتفسير القرطبي (8/ 596) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت