فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 188

فالتوبة الكاملة من جريمة القتل وهي التوبة بشروطها وتسليم نفسه للدولة للقصاص منه أو تنازل ولي الدم عن ذلك الحق وأخذ الدية بدلًا من القصاص. فلو حصلت منه التوبة بشروطها ولم يسلم نفسه للقصاص صحت توبته، وبقي عاصيًا بعدم تسليم نفسه للقصاص وهذه معصية مستقلة تتعلق بحق آدمي تحتاج لتوبة خاصة بها [1] .

فالعاصي إذن إن كان عنده حقوق للناس، أموال أو دماء أو أعراض فعليه إن يؤديها إليهم، هذا أمر لازم من تمام التوبة كما بينت، وعليه أن يؤدي الحقوق التي للناس إن كان قصاصًا فيمكن من القصاص من نفسه إلا أن يسمحوا بالدية، وإن كان مالًا يرد إليهم أموالهم، إلا أن يسمحوا، وإن كان عرضًا يستسمحهم بشرط أن يترتب عليه مفسدة، وإن كان استسماحهم قد يفضي إلى شر فلا مانع من تركه، ولكن يدعو لهم ويستغفرلهم، ويذكرهم بالخير الذي يعلمه منهم في الأماكن التي ذكرهم فيها بالسوء، ويكون هذا كفارة لهذا، وعليه سرعة التوبة قبل الموت، قبل أن ينزل به الأجل، وعليه البدار، والمسارعة، ثم الصبر والصدق، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [2] . {وَلَمْ يُصِرُّوا} ولم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين [3] . يعني لم يقيموا على المعاصي، بل تابوا وندموا وتركوا، ولم يصرّوا على ما فعلوا، وهم يعلمون، وقال ابن كثير في قوله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي: تابوا من ذنوبهم، ورجعوا إلى الله

(1) إمام الحرمين الجويني، الإرشاد، المحقق: الدكتور محمد يوسف موسى، الناشر: الخانجي بمصر، (404 - 405) .

(2) سورة آل عمران، الآية: 135.

(3) الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار النشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، (1/ 444) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت