أ ـ يرى المعتزلة أن قبول التوبة واجب عقلا لأن ذلك أصلح للعبد وأدل على عدل الله تعالى، قال الله تعالى: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} [1] .
قال الزمخشري [2] عند هذه الآية: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} معرفتان؛ لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين، وأنه يغفر الذنب ويقبل التوب الآن. أو غدًا حتى يكونا في تقدير الانفصال، فتكون إضافتهما غير حقيقية؛ وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش [3] .
واحتج أصحابنا (الشافعية) بأنه تعالى ذكركونه قابلًا للتوب على سبيل المدح والثناء، ولو كان ذلك من الواجبات لم يبق فيه من معنى المدح إلا القليل، وهو القدر الذي يحصل لجميع الصالحين عند أداء الواجبات والاحتراز عن المحظورات [4] . وانطلاقا من مبدأ وجوب الأصلح فسروا الآيات والأحاديث بما يؤكد قبول توبة التائبين.
ب ـ يرى أهل السنة أن العقل لا يوجب التوبة لأن الله تعالى لايجب عليه شيء، فالله تعالى حر الإرادة والاختيار فهو فعال لما يريد، تفضُّلًا لا وجوب عليه بدليل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [5] . قوله تعالى:
(1) سورة غافر، الآية: 3.
(2) أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي، الزمخشري (ولد في رجب 467 هـ / 1074 م -ومات ليلة عرفة 538 هـ / 1143 م) علامة فارسي، من أئمة المعتزلة، اشتهر بكتابيه"الكشاف"و"أساس البلاغة". قال عنه السمعاني:"برع في الآداب، وصنف التصانيف، وَرَدَ العراق وخراسان، ما دخل بلدا إلا واجتمعوا عليه، وتتلمذوا له، وكان علامة نسابة"، اشتهر بلقب جار الله، انظر: طبقات المفسرين، (عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي) ، تحقيق: علي محمد عمر، ط 1، الناشر: مكتبة وهبة - القاهرة، 1396 هـ، (1/ 104) .
(3) الكشاف (4/ 152) .
(4) الرازي، محمد بن عمر بن الحسين الرازي الشافعي المعروف بالفخر الرازي أبو عبد الله فخر الدين ولد بالري من أعمال فارس. تفسير الفخر الرازى، دار النشر، دار إحياء التراث العربى، (27/ 496) .
(5) سورة النساء، الآية: 48.