{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلا: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [1] فقال له رجل: يا رسول الله والشرك! فنزل {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [2] . وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة. قال الله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} من المتشابه الذي قد تكلم العلماء فيه [3] . فالمشرك لا ترجى له المغفرة، لأن الله نفى عنه المغفرة، وما سواه من الذنوب في مشيئة الله، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه [4] .
وقال محمد بن جرير الطبري: قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا بالله تعالى [5] . وقال بعضهم: قد بين الله تعالى ذلك بقول: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [6] ، فاعلم أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر ولا يغفرها لمن أتى الكبائر [7] .
ج ـ فريق ثالث يمثله الإمام الغزالي- رحمه الله- [8] وهو من كبار علماء أهل السنة وقد قال ما ملخصه: إذا فهمت معنى القبول لم تشك أن كل توبة
(1) سورة الزمر، الآية: 53.
(2) ذكر سبب النزول هذا الطبري في تفسيره (8/ 449) .
(3) تفسير القرطبي (5/ 245) .
(4) صدر الدين علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي، شرح الطحاوية في العقيدة السلفية، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ط 1، الناشر: وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية: 1418 هـ، (2/ 266) .
(5) تفسير الطبري (8/ 450) .
(6) سورة النساء، الآية: 31.
(7) تفسير القرطبي (5/ 217) وهذا القول في رأي معارض بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} سورة الزمر، الآية: 53، ولم يجعل مغفرة الصغائر مشروطة بعدم إتيان الكبائر.
(8) أبو حامد الغزالي، هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الطوسي النيسابوري الفقيه الصوفي الشافعي الأشعري الملقب بحجة الإسلام وزين الدين (450 هـ - 505 هـ / 1058 م - 1111 م) ، مجدد القرن الخامس الهجري، أحد أهم أعلام عصره وأحد أشهر علماء الدين السنة في التاريخ الإسلامي. انظر: إحياء علوم الدين، تحقيق: سيد عمران، دار الحيث القاهرة (1425 هـ) ، (1/ 3) .