وقد ذهب المعتزلة إلى أن الرجوع إلى المعاصي يهدم التوبة السابقة، وخالفهم أهل السنة وقالوا لا تنتقض التوبة السابقة ولو عاد للمعصية في اليوم ألف مرة، ويجب عليه تجديدها كلما وقع في المعصية [1] .
وقال سعيد بن المسيب [2] : أنزل الله قوله تعالى: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [3] . الذي يصيب الذنب ثم يتوب، ويصيب الذنب ثم يتوب [4] . وقد فسر ابن كثير الأوابين في قوله {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا} قال: هو الذي إذا ذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله منها [5] .
وقد أخرج ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تبتم لتاب عليكم" [6] .
والظاهرمن الآيات الكريمة يشهد لما ذهب إليه أهل السنة، قال الله تعالى: فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
(1) إمام الحرمين الجويني، كتاب الإرشاد (505) .
(2) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، (637 - 715 م / 14 هـ - 94 هـ) كنيته أبو محمد، ولد لسنتين من خلافة عمر بن الخطاب، من كبار أهل العلم في الحديث، الفقه والتفسير القرآني، يعتبر سيد فقهاء المدينة والتابعين. انظر: الإمام الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: سير أعلام النبلاء، المحقق: مجموعة محققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، عدد الأجزاء: 23، الناشر: مؤسسة الرسالة، (4/ 217) .
(3) سورة الإسراء، الآية: 25.
(4) ذكره ابن كثير (5/ 67) في التفسير وقال: وكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري ومعمر عن يحيى بن سعيد عن ابن المشيب بنحوه وكذا رواه الليث وابن جرير عن ابن المسيب.
(5) تفسير ابن كثير (5/ 68) .
(6) سبق تخريجه في صفحة (42) .