رواية"الشهرستاني"كما ترى تزيد عن سابقاتها بالتصريح بنسبة الصرفة إلى النظام وببيان وجه الصرف:
الصرف في المقالة التي نقلها"الشهرستاني"إنما هو (صرف الدواعي عن المعارضة، ومنع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا (عبارة: صرف الدواعي عن المعارضة يتلقفها الغموض بل الإبهام 0
من البين أنّ الدواعي إنما هي في الاستدلال بالقرآن الكريم على النبوة وتحديهم وطلب معارضتهم، وتقريعهم على ترك المعارضة وإلهاب ظهورهم، وهم أهل حمية وأنفة، فما يمموا نحو المعارضة، ولكنهم أعرضوا عنها إلى أباطيلهم، ثم إلى مقارعة السنان دون اللسان.
هذه هي الدواعي، فهل هذه الدوعي صرفتهم عن المعارضة؟
إنها الحمالة لهم على المعارضة وليست الصارفة 0
فقوله - إن صح أنّ ذلك منطوقه - صرف الدواعي عن المعارضة سواء جعلته:"صرف الدواعي"من إضافة الشيء إلى فاعله، فالدواعي هي الصارفة أم من إضافته إلى مفعوله، فالدواعي مصروفة، فإن الوجهين - ولاسيما الثاني- غير محررين بل مختلين 0
وكذلك قوله من بعده: (ومنع العرب عن الاهتمام به جبرًا وتعجيزا) فيه إبهام: منع عن الاهتمام بماذا: أبالقرآن الكريم أم بمعارضته؟
عن الاهتمام بالقرآن كلمة لا تقال، فإنه ما أقضّ مضاجعهم مثله، وهو الذي يكوي خياشيمهم صباح مساء ببيانه الغالب القاهر.
عن الاهتمام بمعارضته، الأعلى أن يقال (عن الاهتمام بها) أي المعارضة، إلا أن يقال: التذكير حمل على المعنى: عن الاهتمام بفعل المعارضة، ولكن التأنيث أكشف وأبين، وهذا مقام كشف وتحرير 0
ويقول"بدر الدين الزركشي: محمد بن عبد الله بن بهادر (745 - 794 هـ) :"إنَّ الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم وكان مقدورًا لهم لكن عاقهم أمر خارجي، فصار كسائر المعجزات" [1] "
(1) البرهان في علوم القرآن للزركشي - ج 2 ص 93 - 94 - ت: محمد ابو الفضل - بيروت