وإذا ما كان"النظام"جاعلا إعجاز القرآن الكريم من إخباره بالغيب، ألا يكفي هذا في إثبات إعجازه، فما وجه أن جعل معه القول بالصرفة؟
يقول شيخنا"أبو موسى"أعزَّه الله:"وإنما رمى بهذا القول في حومة الجدل ولجاجة الخصومة، ولم يقل عن دراسة ومراجعة وتمام اقتناع" [1]
وهذا من شيخي إحسان ظنّ بـ"النظام"شأنه دائما مع أهل العلم،وبذلك كان يؤدبنا؛ ذلك أ نَّ"النظام"لم يكُ عييا ولا مسلوب الطبع والذوق، بل كان بليغا شاعرا قادرا ببلاغته على تصوير الأشياء في صورتين متقابلتين، ومن كان كذلك لا يغيم عليه فرق ما بين بلاغة القرآن الكريم وبلاغة البشر، وإن اتهم بأنّه قال إنّ البشر قادرون على أنّ يأتوا بأحسن منه نظما وبلاغة.
قد ذكر"النظام"مع القول بالصرفة القول بالإعجاز بالإخبار عن المغيبات، وذلك أنَّ هذه المغيبات الماضية والآتية لا يطلع عليها بشر إلا بإعلام علاَّم الغيوب، فدلَّ ذكرها في القرآن الكريم على أنّ غير النبي لا يأتي بمثلها في كلامه، فكان القرآن الكريم بهذا معجزًا 0
وإذا ما كان ما فيه إخبار بغيب في القرآن الكريم لا يشمل القرآن الكريم كلّه ,
أ فيكون ما ليس فيه إخبار بغيب مقدورًا عليه؟
ذلك ما دفع"النظام"في حومة الجدل والملاحاة الكلامية إلى أن يقول إنهم يقدرون على الإتيان بمثله فيما ليس فيه إخبار بغيب نظما وبلاغة إلا أنهم في هذا مصروفون عنه بعجز ومنع أحدثهما الله فيه.
فهذا وجه الجمع بين الوجهين 0
وعلى ذلك يكون بعض معاني القرآن الكريم فيه مانع ذاتي هو ما كان من معاني الغيب، وأما نظم هذه المعاني في صورة بليغة، فإنهم مصروفون عنها بمانع خارجي.
وبعض معانى القرآن الكريم وهي التي ليست من الإخبار بالغيب ليس فيها ولا في نظمها معجز ذاتي، بل في النظم والمعنى مانع خارجي هو الصرف 0
(1) الإعجاز البلاغي لشيخنا أبي موسي:ص 356 - مكتبة وهبة بالقاهرة