وقال في موضع آخر:"ومن بعد فإن أبا الهذيل - رحمه الله - قد تاب من الكلام في هذا الباب عند ظنِّ الناس به أنَّه يعتقده، وأخبر أنَّه كان يناظر فيه على البور والنظر - أخبر بذلك عنه جماعة ثقات لا يتهمون في إخبارهم، فليس يحلُّ لأحد قرفه به" [1]
ففي هذا دلالة على أنه كان من منهاجهم أن يتخذوا قولا في سياق المجادلة والمجالدة ينتصرون به على خصومهم إذا ما رأوا أنه السبيل الأقرب والأقوى في صرع الخصم، وإن لم يكن ذلك الذي اتخذوا سبيل مجالدة هو معتقد قلوبهم.
طريف هذا غير أنّ فيه شيئا:
لازم هذا أنّ النظام يذهب إلى أن القرآن الكريم معجز بنظمه، وأنه لا يقول بالصرفة إلا في منازعة القائلين بأنه غير معجز، وليس في أيدينا مقالة رويت من أصحابه أو أقرانه أو القريبين من عصره تشير مجرد إشارة إلى أن ذلك كائن منه في حومة المنازعة.
أضف إلى هذا أنَّه إذا كان الدّفع بأن النظام يقول بالصرفة في وجه الخصوم إسراعا في الغلبة، فإنّ من المعابة أن يسلك المرء إلى غايته سبيلا قصير إلا أنه ذو خطر عظيم، فلأن نعالج الداء بدواء يطول أمده ولا يورث خطرا من جانب آخر أحكم عند أولى الألباب من أن نعالجه بدواء عاجل الأثر إلا أنه يورث معه ما لا يحمد 0
إن القول بالإعجاز بالصرفة ينزع من القرآن الكريم أنه معجز لأن المعجز حين ذاك المنع والصرف وليس القرآن الكريم فينتهى أمر الإسراع إلى المغالبة بالقول بالصرفة إلى ضد ما يراد من تلك المسارعة، وتلك لا يقع فيها إلا مأفون.
(1) - السابق ص 16