الصفحة 35 من 111

فالصرفة عند"الجاحظ"صرفة عما يشغب به من الباطل على حق القرآن الكريم، فهي من روافد حفظ قداسة القرآن الكريم، وكأنَّ في هذا وجها من وجوه معاني قوله تعالى:"إنَّا نحنُ نزَّلْنا الذّكر وإنَّا له لحافظون"فصدر الآية قاطع بأنّ القرآن الكريم حقّ من عند الله تعالى، وأنه ذكر بكل ما تحمله كلمة"ذكر"هنا من وجوه المعنى، وفي قوله"له لحافظون"دلالة قاطعة على أن الله تعالى متكفلٌ بكلّ وجوه حفظه مما قد يمسّ قدسيته،ومن وجوه حفظه أن يحفظه من أن يقوم في صدر أحد الشغب عليه بالباطل الذي قد يبهرج به على ضعاف العقول ومرضى القلوب وفاقدي تذوق البيان 0

الصرفة التى قال بها"الجاحظ"لا تتعاند مع مذهبه في إعجاز القرآن الكريم بنظمه وتاليفه؛ لأنّ مناط هذا غير مناط ذاك، فافترقاوقد هدانا إلى ذلك شيخنا أبو موسى أعزه الله [1]

وقد يطعن طاعن في مقالة"الجاحظ"هذه بأنَّه ينكر ما تواردت الأخبار بوقوعه: هو ينكر أن يكون قد وقع طمع من أحد في معارضة القرآن الكريم، والواقع يقرر أن من الناس من طمع، وأن مسيلمة قد روي عنه أنه تعاطى شيئًا من المعارضة، فكيف تتحقق هذه الصرفة بمعناها عند"الجاحظ"؟

الحق أنَّ"الجاحظ"لم ينكر ما روي من أمر"مسيلمة"بل عرض له بما يذل على أنه لا ينكر وجوده غير أن"الجاحظ"كما سمعت منه لم يجعل ما فعل مسيلمة وابن النّواحة من المعارضة بالباطل على القرآن الكريم بل جعل هذا لا يعدوا أن يكون عدوانا وسلبا وأخذًا لبعضه، وهذا ليس من المعارضة في شيء، السرقة والسلب مع تغيير بعض الكلمات ليس معارضة، فالمعارضة شيءٌ غير هذا، ومن ثمّ لا يكون ما فعله"مسيلمة"من المعارضة في شيء، وهذا من لقانة"الجاحظ"وفراسته البيانية وعرفانه البالغ بأصول المعارضة

(1) = الإعجاز البلاغي لشيخنا أبي موسى:ص 363 - 364 - ط: وهبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت