الصفحة 86 من 111

دلّ هذا على أنّ القول بالصرفة بسلب العلوم إنما هو قول من لم يفقه بيان آية التحدي ولو تدبرها لعلم عوار ما يذهب إليه وشناعته، وكأنّي بـ"عبد القاهر"يرمي إلى وسم"ابن سنان"ومن سبقه من القائلين بهذا على خرطومه حين ادعى أن من قال بإعجاز القرآن بنظمه لا يعرف من الأدب ونقده شيئًا، فوسمه بأن الذي يقول بما اعتقده"ابن سنان"هو الذي لا يملك من فقه البيان ما يحجزه عن معرّة الدهر وسبته؛ لأنه يقول بما يجاهر بجهالته ما هو ظاهر البيان في آية التحدي (الإسراء: 88)

ويزيد الإمام"عبد القاهر"الأمر بيانًا، فيقول:

"ثُم إنّه ليس في العرف ولا في المعقول أن يقال:"لو تعاضدتم واجتمعتم جميعكم لم تقدروا عليه"في شيءٍ قد كان الواحد منهم يقدر على مثله، ويسهلُ عليه ويستقلّ به ثُم يمنعون منه، إنما يقال ذلك حيث يرادُ أن يقالَ:"إنكم لم تستطيعوا مثله قطَّ،ولا تستطيعونه البتة، وعلى وجه من الوجوه حتّى إنكم لو استضفتم إلى قواكم وقُدَرِكُم التي لكم قوىً وقُدُرًا، وقد استمددتم من غيركم لم تستطيعوا أيضًا"من حيث إنّه لامعنى للمعاضدة والمظافرة والمعاندة إلا أن تضمّ قدرتَكَ إلى قدرةِ صاحبك حتى يحصل باجتماع قدرتكما ما لم يكن يحصل" [1]

فـ"ابن سنان"فيما ذهب إليه من أنّ القرآن الكريم معجز بصرف العرب عن معارضته وهم قادرون عليها صرفا متحققا بسلب علومهم التي يمتلكونها من قبل نزول القرآن الكريم، ومن بعد نزوله حين لا يريدون معارضتها، فإن أرادوا المعارضة تسلطت عليهم القدرة الإلهية فسلبتهم ما كانوا متمكنين فيه -"ابن سنان"كأنّه فيما جاهر به كان قد سلب عقله الذي به يبصر عوار ما يلفظه لسانه،ولو أنّه راجع نفسه لرجع،

(1) - المرجع السابق:615 - 616

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت