"ومما يلزمهم على أصل المقالة أنّه كان ينبغي لهم لو أنّ العرب كانت منعت منزلة من الفصاحة قد كانوا عليها أن يعرفوا ذلك من أنفسهم ولو عرفوه لكان يكون قد جاء عنهم ذكر ذلك، ولكانوا قد قالوا للنبي - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:"إنا كنا نستطيع قبل هذا الذي جئتنا به، ولكنك قد سحرتنا، واحتلت في شيءٍ حال بيننا وبينه"فقد نسبوه إلى السحر في كثير من الأمور كما لا يخفى،وكان أقل ما يجبُ في ذلك أن يتذاكره فيما بينهم،ويشْكُوَه البعضُ إلى البعضِ،ويقولوا:"مالنا قد نقصنا في قرائحنا،وقد حدث كلول في أذهاننا"ففي أن لم يروا،ولم يذكر أنّه كان منهم قولٌ في هذا المعنى، لاما قلّ ولا ما كثر، دليلٌ على أنّه قول فاسد ورأي ليس من آراء ذوي التحصيل" [1]
ما جاء به"عبد القاهر"من نقض ليس خاصًا بالذي ذهب إليه"ابن سنان"من تقييد السلب بزمن إرادة المعارضة بل يحيط بكلّ ذاهبٍ إلى أنّ الصرف كان بسلب العلوم التي كانت لهم 0
والإمام"عبد القاهر"يكتفي بهذا النقض المستند إلى شهادة الحال والواقع الذي لا يكاذب، بل عمد إلى ما هو أنكى، إذ بيّن أنّ القائل بهذا الوجه من الصرف لا يفقه بيان آية التحدي (الإسراء:88) فإنّ في سياقها ما يدل على فساد هذا القول:
"وذلك أنّه لا يقال عن الشيء يمنعه الإنسان بعد القدرة عليه، وبعد أن كان يكثر مثله منه:"إني قد جئتكم بما لا تقدرون علي مثله، ولو احتشدتم له،ودعوتم الإنس والجن إلى نصرتكم فيه"وإنما يقال:"إني أعطيتُ أن أحول بينكم وبين كلام كنتم تستطيعونه، وأمنعكم إياه،وأن أفحمكم عن القول البليغ، وأعدمكم اللفظ الشريف"وما شاكل هذا،ونظيره أن يقال للأشداء وذوي الأيد:"إنّ الآية أن تعجزوا عن رفع ما كان يسهلُ عليكم رفعه، وما كان لا يتكَاءَ دُكم ولا يثقل عليكم" [2] "
(1) - رسالة الشافية لعبد القاهر:614 - 615 (م. س)
(2) - الموضع السابق: