لكُلٍّ جعلنا شرعةً ومنهاجا) (المائدة: 48) وقول النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:"اعملوا فكل ميسرٌ لما خلق له"[البخاري: تفسير، ومسلم: القدر) فلما رُئِيَ أهلُ البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كلّ وادٍ من المعاني بسلاطة ألسنتهم، وقد دعا الله تعالى جماعتهم إلى معارضة القرآن، وعجزهم عن الإتيان بمثله، وليس تهتز غرائزهم البتة للتصدي لمعارضته لم يخف على ذي لبّ أنّّ صارفًا إلهيًا يصرفهم عن ذلك، وأيّ إعجاز أعظم من أن تكون كافة البلغاء مخيّرة في الظاهر أن يعارضوه ومجبرة في الباطن عن ذلك، وما أليقهم بإنشاد ما قال"أبو تمام":
فإنْ نَكُ أُهْمِلْنَا، فأضعف بسعينا وإنْ نَكُ أُجْبِرْنَا ففيمَ نُتَعْتِعُ؟ [1]
والله ولي التوفيق والعصمة" [2] "
كلام"الراغب"ليست دلالته قاطعة في مفهوم معيّن للصرفة عنده:
أهو كالمنسوب إلى"النظام"أو"المرتضى"أم مفهومها عند"الجاحظ"؟
ويذهب شيخنا - اعزّه الله تعالى - إلى أن ما قاله"الراغب":" قريب من الذي عند"الجاحظ"، فكلاهما يذكر الصارف الإلهي للعرب عن الشيء في صورته ونظمه أمر إلهي لا طاقة للناس به،ولو لم يصرفوا،وأن الأمر فيه يدلّ ذا العقل عليه، وأن القوم عاجزون في الواقع الظاهر، ومصروفون في الباطن، فما راموا وما طمعوا " [3]
(1) - البيت من قصيدة يمدح يها أباسعيد الثغري، أولها:"أما إنّه لولا الخليط المودّعُ"- ق:91 - الديوان: ج 2 ص 319
(2) - مقدمة جامع التفاسير:108 (م. س)
(3) - الإعجاز البلاغي لشيخنا:ص 365 (م. س)