الصفحة 89 من 111

لمَّا كان الجاحظ والراغب ذاهبين إلى الإعجاز النظمي للقرآن الكريم، وكان لا يستقيم البتة أن يقول بهذا عاقل، ثمّ يقول بالصرفة التي نسبت للنظام أو المرتضى القائمة على أنها صرفة عما يقتدر عليه لو خليَ بين القوم وما صرفوا عنه، وكان الجاحظ قد صرح بأن الصرفة عنده صرفة عند الشغب بالباطل عن الحق الذي هم عاجزون عنه لما هو قائم به من إٌعجاز البلاغي، لما كان ذلك كان الأقرب أن تكون الصرفة عند الراغب كالتي عند الجاحظ، فهم بالتحدي بالنظم العلّي المعجز في صورة المخير أن يحاولوا أن يفعل، وهم بهذا الإعجاز النظميّ مجبرون على أن يتركوا المعارضة، فقوله (أن صارفا إلهيا يصرفهم عن ذلك) كأنَّه يريد بهذا الصارف الإلهي إعجازه البلاغي، ولا سيّما هذا الاستفهام الذي أردفه به قائلا:"وأي إعجاز أعظم من أن تكون كافة البلغاء مخيرة في الظاهر أن يعارضوه، ومجبرة في الباطن عن ذلك"فهذا دالٌ على أنّ التخيير بالمعارضة هو في ظاهر الأمر تخيير في معارضة ما يمكن معارضته؛ لأنه لا معنى أن تخير فيما لا يتحقق فيه التخيير، ولكنه لما كان المخير في معارضته قد بلغ به حدًا لا تطيقه قوى العالمين كانوا في حقيقة أمرهم بهذا التجاوز به حد طاقتهم مجبرين على ترك المعارضة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت