إذا ما كان ذلك في القرن الأول من أمَّةِ الإجابة استغنى بهذا الذي قام في صدره، وعمد إلى القيام بما يحقق لهم الهدى الذي أنزل الكتاب من أجله، فلم يقيموا مدارسات من حول ما أعجز من القرآن الكريم العالمين، ولم يجادلوا المعارضين في هذا بل كان انصرافهم إلى أن يربوا أنفسهم بهديه 0
بقي الأمر كذلك عِرفانًا قائمًا في الصدور يثمر يقينًا وتسليما وانصرافا إلى التخلق بهديه حتى كان من شأن الأمة ما كان من اتساع أرض الفتح الإسلامي، ودخول الناس في دين الله أفواجا يغلب على كثير منهم اليقين والتسليم، ويتخذ بعضهم الدخول تقية، وفي قلبه غير الذي يتقاذف من لسانه، وكان مما استكنّ في ذلك القلب المريض عشقٌ اّللدد في المماراة، والإبحار بالعقول في قمماميس المجادلة بالتي هي أسوأُ، فبزغت من هذه الفئة العاشقة للمجادلة والممارة في القرن الثاني فرقة ألقت في علوم المسلمين علما ما كانت الأمة غنية عن علم كمثل غناها عنه، وما كان لعلم نسب إلى علم الإسلام من الإفساد في عقيدة المسلمين التي قامت في قلوبهم من بيان الوحي: كتابًا وسنة، فعضّت عليه بالنواجذ مثل ما لهذا العلم الذي حملته هذه الفرقة إلى المسلمين: علم الكلام 0 هو علم قائم على عشق الملاحاة والمغالبة فتعادت الفرق التي ولجت حومته، وكان من تلك الفرق ما عرف بفرقة المعتزلة، وقد بنوا مذهبهم على أصول خمسة اعتقادها والقول بها هو أساس الانتساب إلى هذا المذهب:
و"ليس يستحق أحد ... اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كملت في الإنسان هذه الخصال الخمس فهو معتزلي )) [1] "
(1) الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد: لأبي الحسين الخياط - ت: د: بيبرج: 126)