بل حالهم كحال من آمن بعد بعثة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومات بمكة قبل نزول الشرائع فقد أتى هؤلاء بالإيمان الواجب عليهم آنذاك، ما داموا قد حققوا التوحيد واجتنبوا الشرك والتنديد وشهدوا برسالة نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وهذا الجواب كله إنما يكون بعد إثبات صحة الحديث، وصحة كون زيادة"يا صلة تنجيهم من النار"مرفوعة لا مدرجة من قول حذيفة رضي الله عنه ..
والحاصل مما تقدم كله أن يتيقن الموحد من أن: تحقيق التوحيد والبراءة مما يضاده من كل شرك مخرج من الملة أصل الدين وقاعدته، وقوام دعوة الرسل وقطب رحاها .. وأن جميع الشرائع جاءت لحفظه وتحقيقه وصيانته، وأن هذا أمر محكم لا يتطرق إليه التشابه بحال.
فالواجب مع كل خبر يشتبه على أحد من الناس أو يتوهمه المتوهمون معارضًا لهذا الأصل المحكم، أن يدرج تحته ويحمل عليه، لأنه هو (أم الكتاب وأصله) لا أن يصادم به ويعارض، فضلًا عن أن يسعى لهدمه بتلك الأخبار (( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذّكّر إلا أولوا الألباب ) ) [1] .نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياك من الراسخين في العلم ..
يقول الشاطبي في الاعتصام: لا يمكن أن تعارض الفروع الجزئية الأصول الكلية، لأن الفروع الجزئية إن لم تقتض عملًا فهي في محل التوقف، وإن اقتضت عملًا فالرجوع إلى الأصول هو الصراط المستقيم، فمن عكس الأمر حاول شططًا ودخل في حكم الذم. ا. هـ [2]
كذلك يقال لهم عند احتجاجهم بحديث (لم يعمل خيرًا قط) زيادة على ما سبق:
لو قلتم (لم يعمل خيرًا قط) يعني بتركه لأعمال الجوارح، للزمكم أن تقولوا أيضًا بانتفاء أعمال القلب عنه فإنها من الخير باتفاق، وعندكم أن من انتفى عنه عمل القلب كافر، وبهذا يتبين فساد قولكم.
كذلك قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لم يعمل خيرًا قط) ليس على إطلاقه، بدليل ما جاء في حديث الرجل الذي لم يعمل خيرًا قط أنه كان ينظر المعسر، وهذا من عمل الخير باتفاق، ومع ذلك قيل في وصفه (لم يعمل خيرًا قط) مع أن له بعض الأعمال الخيرة، ونص الحديث يدل على ذلك:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(1) سورة آل عمران (7) .
(2) إلى هنا مستفاد من كتاب كشف شبهات المرجئة بتصرف.