وكما أجاب الله عزوجل دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم لأتباعه وأصحابه، فقد أجاب دعائه على أعدائه ومخالفيه، يقول عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى مِنْ النَّاسِ إِدْبَارًا؛ قَالَ: اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَالْجِيَفَ وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنْ الْجُوعِ.
فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) إِلَى قَوْلِهِ: (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) [1] .
فهذه عدد من الوقائع التي أجاب الله عزوجل فيها دعاء نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يكون ذلك إلا لمن كان مرسلًا من عند الله عزوجل، فالله لا يؤيد الكاذبين فضلًا عن أن يؤيد من يكذب عليه.
ومن آيات النبوة الباهرة والمعجزات الظاهرة، إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأمور غيبية وأحداث مستقبلية وقعت كما أخبر صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك دليل على أنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى، فالغيب سر الله، فهو وحده تبارك وتعالى الذي يعلم السر وأخفى، والنبي صلى الله عليه وسلم كسائر البشر لا يعلم الغيب: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 188] .
فإذا ما أخبر النبي عن شيء من الغيوب؛ فإنما يخبر بشيء من علم الله الذي خصه به وأطلعه عليه، ليكون برهان نبوته ودليل رسالته.
وقد كثرت الأمثلة والأحداث التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عدها العلماء فبلغت قرابة ألف أمر غيبي تحقق معظمها وإنا على يقين بتحقق بقيتها، وما كثرة هذه الوقائع إلا لحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تبليغ الحق وتبيين الطريق لأمته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، جاء في الصحيح عن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ [2] .
(1) 4 - رواه البخاري في كتاب الاستسقاء، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة.
(2) 1 - رواه مسلم في صحيحه كتاب الفتن وأشراط الساعة باب إخبار النبي صلى الله عليه وسلم ما يكون إلى قيام الساعة، وقد رواه البخاري في صحيحه والإمام أحمد في مسنده عن آخرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.