تروى لنا هذا الخبر أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها بعد إسلامها؛ جاء في كتب السير عن أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها قالت: كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه.
فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين [1] ، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى [2] ، فهششت [3] إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم.
قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟، قال: نعم، والله.
قال: أتعرفه، وتثبّتَّه؟.
قال: نعم.
قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله!! [4] .
ومن أخبار الضلال عن الحق بسبب الطمع في الدنيا والحرص على المكانة، قصة وفد نجران مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يعرفون نبوته ويقرون برسالته، فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه إليهم يدعوهم فيه إلى الإسلام، فلما قرأ الأسقف الكتاب فزع به وذعر ذعرًا شديدا، ثم دعا أهل الرأي في نجران فأطلعهم على الكتاب، وتشاوروا فيه، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا وفدًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاختاروا ستين راكبا، منهم أربعة عشر من أشرافهم، يتزعمهم ثلاثة منهم، وهم: العاقب، وكان أمين القوم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره، واسمه عبد المسيح، والسيد، وكان عالمهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وكان أسقفهم وحبرهم، وإمامهم وصاحب مراميهم.
وكان أبو حارثة قد شرُف فيهم حتى حسن علمه في دينهم، وكانت ملوك الروم من النصرانية قد شرفوه وقبلوه وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم عنه من اجتهاده في دينهم، فلما توجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له موجها إلى المدينة، وإلى جنبه أخ له يقال له: كرز بن علقمة يُسايره في الطريق، فعثرت بغلة أبي حارثة، فقال كرز: تعس الأبعد - يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست!.
فقال: ولم يا أخ؟.
قال: والله إنه للنبي الذي كنا ننتظر!!.
(1) 1 - الغلس ظلام آخر الليل، والمقصود أنهما بدأ في التوجه إلى رسول الله (مبكرًا جدًا قبل أن يشرق الفجر.
(2) 2 - نوع من المشى فيه ضعف وفتور.
(3) 3 - أي بششت لهما فرحُا بهما.
(4) 4 - ابن هشام في السيرة النبوية (2/ 126) ، ورواه البيهقي في دلائل النبوة (786) .