فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 166

يظهره الله تعالى أو أهلك في طلبه)، فمن يصبر ذلك الصبر ويكافح هذا الجهاد لا يكون إلا صادقًا في دعواه، بل هو أصدق الصادقين صلى الله عليه وسلم.

ومن حسن أخلاقه صلى الله عليه وسلم، والتي لا تكون إلا لنبي اصطفاه الله عزوجل، سخاؤه وكرمه فهو إن لم يكن يملك المال ما كان ليرد سائله بشيء يكرهه أو يجيبه إجابة تحرجه، روى الإمام البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: مَا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ لَا [1] .

يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله:"مَعْنَاهُ مَا طُلِبَ مِنْهُ شَيْء مِنْ أَمْر الدُّنْيَا فَمَنَعَهُ, قَالَ الْفَرَزْدَق:"مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّده".. وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ يُعْطِي مَا يُطْلَب مِنْهُ جَزْمًا, بَلْ الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَنْطِق بِالرَّدِّ, بَلْ إِنْ كَانَ عِنْدَه أَعْطَاهُ إِنْ كَانَ الْإِعْطَاء سَائِغًا وَإِلَّا سَكَتَ، وَقَدْ وَرَدَ بَيَان ذَلِكَ فِي حَدِيث مُرْسَل لِابْنِ الْحَنَفِيَّة أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد وَلَفْظه"إِذَا سُئِلَ فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَل قَالَ نَعَمْ , وَإِذَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يَفْعَل سَكَتَ".. وَقَالَ الشَّيْخ عِزُّ الدِّين بْن عَبْد السَّلَام: مَعْنَاهُ لَمْ يَقُلْ"لَا"مَنْعًا لِلْعَطَاءِ, وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقُولهَا اِعْتِذَارًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: (قُلْت لَا أَجِد مَا أَحْمِلكُمْ عَلَيْهِ) وَلَا يَخْفَى الْفَرْق بَيْنَ قَوْل لَا أَجِد مَا أَحْمِلكُمْ وَبَيْنَ لَا أَحْمِلكُمْ".

وقد تواترت الأخبار بجوده صلى الله عليه وسلم، وكرمه، فما بخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا ولا منع أحدًا سأله شيئًا قط روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ أَسْلِمُوا فَوَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ فَقَالَ أَنَسٌ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا) [2] .

ومن الأخبار العجيبة في هذا الشأن ما رواه البخاري عن سهل بن سعد رضى الله عنه أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ قَالُوا الشَّمْلَةُ قَالَ نَعَمْ قَالَتْ نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ فَقَالَ اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا قَالَ الْقَوْمُ مَا أَحْسَنْتَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ قَالَ إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي قَالَ سَهْلٌ فَكَانَتْ كَفَنَهُ [3] .

وفي هذا الحديث دليل واضح وإشارة ظاهرة على كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوده، فرغم حاجته الشديدة لهذه البردة إلا إنه لم يرد الصحابي الذي طلبها، وهذه الدرجة من الجود والكرم لا تكون إلا لأكرم المصطفين الأخيار محمد صلى الله عليه وسلم.

(1) 1 - صحيح البخاري كتاب الأدب باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل.

(2) 2 - صحيح مسلم كتاب الفضائل باب ما سئل رسول الله شيئُا فقال لا قط.

(3) 1 - صحيح البخاري كتاب الجنائز باب من استعد الكفن في زمن النبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت