فهرس الكتاب
وإذا انتفى المدلول انتفى هو؛ فما يوجد مع وجود الشيء، ومع عدمه، لا يكون دليلًا عليه، بل الدليل ما لا يكون إلاَّ مع وجوده، فما وُجد مع النبوّة تارةً، ومع عدم النبوّة تارةً، لم يكن دليلًا على النبوّة، بل دليلها ما يلزم من وجوده وجودها"."
ودلائل النبوة من الكثرة والوضوح بدرجة لا تخفى إلا على من عميت بصيرته وضل سبيله في هذه الحياة، وقد حصر العلماء دلائل النبوة في خمسة محاور أساسية هي:
1 -بشارات الأنبياء السابقين بالنبي اللاحق.
2 -الآيات والمعجزات الخارقة للعادة التي يجريها الله على يد النبي.
3 -سيرة النبي وأخلاقه ودلائل صدقه.
4 -نصر الله وتأييده للنبي.
5 -النظر في مبادئ الرسالة ودعوتها إلى الصلاح والسعادة.
هذه هي المحاور الأساسية لدلائل النبوة، وهي كما نرى قسمين، قسم يعتمد على الأخبار والوقائع المنقولة وهي البشارات والآيات، والقسم الثاني يعتمد على النظر في شخص النبي ودعوته ووقائع سيرته.
وفي هذه الرسالة سوف نحاول عرض وسرد دلائل نبوة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بشكل مختصر وجامع، وذلك لأن دلائل النبوة لها فوائد كثيرة لعل من أولها الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم والتصديق بخبره والطاعة لأمره، ومن فوائد دلائل النبوة كذلك محبته صلى الله عليه وسلم، حيث يجمع المنصفون من أهل الغرب والشرق أن من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا أحبه، وإن كان يعرفه من قبل فسوف يزداد له حبًا.
وفي قلب كل مسلم توجد بذرة محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه البذرة إذا نمت بالمعرفة والإيمان صارت شجرة تزيد الإيمان قوة وتزيد الإتباع هديًا واقتداء بفعل النبي العدنان صلى الله عليه وسلم.
روى الإمام البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآنَ يَا عُمَرُ [1] .
يقول الحافظ ابن حجر في"فتح الباري":"جواب عمر أولا كان بحسب الطبع [2] ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والأخرى فأخبر بما اقتضاه الاختيار ولذلك حصل الجواب بقوله الآن يا عمر أي الآن عرفت فنطقت بما يجب".
(1) 1 - رواه البخاري في صحيحه كتاب"الأيمان والنذور"باب"كيف كانت يمين النبي"
(2) 2 - نقل ابن حجر عن الخطابي قوله: وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: حُبُّ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ طَبْعٌ، وَحُبّ غَيْره اِخْتِيَار بِتَوَسُّطِ الْأَسْبَاب، وَإِنَّمَا أَرَادَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام حُبَّ الِاخْتِيَار إِذْ لَا سَبِيل إِلَى قَلْب الطِّبَاع وَتَغْيِيرهَا عَمَّا جُبِلَتْ عَلَيْهِ، لهذا فليس في هذا الحديث مطعن في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، خاصة وأن عمر قبل هذا الحديث كان قائمًا بحقوق النبي من تعظيم وتعزير وتوقير وإتباع خير قيام فرضي الله عنه وأرضاه.