محمدًا لم يكن يتجاوز إذ ذاك الرابعة عشر، ولم يكن يعرف إلا لغته، ولا شك أن كثيرًا من أحوال الشام ومشاهدها لم يك في نظره إلا خليطًا مشوشًا من أشياء ينكرها ولا يفهمها" [1] ."
بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ووحي الله له، تكثر القصص والوقائع الدالة على تصديق أهل الكتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن بعضهم كان صادقًا مع نفسه فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقه وآمن به، بينما كان آخرون يطمس الحسد والبغي أعينهم عن رؤية الحق، ومن الوقائع في هذا الأمر، ما نذكره:
هذا ورقة بن نوفل، وكان قد خرج لما كره عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها يسأل عن الدين، فأعجبه دين النصرانية فتنصر، وكان لقي من بقي من الرهبان على دين عيسى ولم يبدل، وتعلم منهم، فلما قابل جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء اللقاء الأول، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره يقول"زملوني زملوني"من روعة اللقاء الأول، اقترحت عليه الزوجة الرؤوم أم المؤمنين خديجة بنت خويلد أن يذهبا إلى ورقة بن نوفل فيعرضا عليه الأمر.
روى البخاري في صحيحه بسنده عن عائشة أم المؤمنين قالت:".. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ."
فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ.
فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى.
فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ [2] الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا [3] لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ.
قَالَ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا [4] ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ [5] وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ [6] .
(1) 2 - توماس كارليل: الأبطال ص: 68.
(2) 2 - الناموس هو صاحب السر، والمقصود به هنا جبريل عليه السلام.
(3) 1 - الجذع هو القوي الصغير في العمر، فكان ورقة بن نوفل رضى الله عنه يتمنى أن يكون عند ظهور الدعاء إلى الإسلام شابا ليكون أمكن لنصره، وهذه من مناقبه.
(4) 2 - أي قويًا.
(5) 3 - يلبث.
(6) 4 - صحيح البخاري كتاب بدء الوحى رقم (3) ، ورواه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب بدء الوحى إلى رسول الله.