فهرس الكتاب
هذا حديث طويل. وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه [1] ، من حديث قتادة بطوله.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن [2] ...
ومعنى هذا أنه، عليه السلام، صار امتثالُ القرآن، أمرًا ونهيًا، سجية له، وخلقًا تَطَبَّعَه، وترك طبعه الجِبِلِّي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه. هذا مع ما جَبَله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة، والصفح والحلم، وكل خلق جميل. كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي:"أف"قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟ وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا ولا مَسسْتُ خزًا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شَمَمْتُ مسكًا ولا عطرًا كان أطيب من عَرَق رسول الله صلى الله عليه وسلم [3] " [4] ."
ونتجول الآن مع بعض أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم التي حاز منها القدح المعلى، لنرى كيف أنه صلى الله عليه وسلم كان في الذروة العليا من الأخلاق التي لا تكون إلا لخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم.
من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه ووفائه ومطابقة قوله لعلمه علم علمًا يقينيًا أنه صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر ولا كاهن ولا كاذب؛ وإذا كان الناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة حتى في المدعين للصناعات والمقالات فما الشأن بمن يرسله الله عزوجل إلى البشر يبلغهم رسالته ويدعوهم إلى عبادته أليس يكون يحمل من علامات الصدق وكريم الأخلاق ما يلوح على قسمات وجهه قبل أن يظهر في أقواله وأفعاله، وهذا هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي بسببه أسلم عبد الله بن سلام الحبر اليهودي.
يقول عَبْدُ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ [5] النَّاسُ إِلَيْهِ وَقِيلَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَلَمَّا اسْتَثْبَتُّ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ" [6] ؛ فهذا عبد الله بن سلام حبر من أحبار اليهود لم يحتج الأمر أن يعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى أن نظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف أنه ليس بوجه كذاب."
إن دلائل صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تحصر ونكتفي هنا بإيراد شهادات الأعداء على صدقه صلى الله عليه وسلم.
(1) 1 - صحيح مسلم برقم (746) .
(2) 2 - المسند (6/ 216) .
(3) 3 - صحيح البخاري برقم (6038) وصحيح مسلم برقم (2309) .
(4) 4 - تفسير ابن كثير (8/ 150 - 151) باختصار.
(5) 1 - أي ذهبوا مسرعين.
(6) 2 - رواه الترمذي (2485) وصححه الشيخ الألباني.