فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 166

وعن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ [1] .

وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأنف من اللعب معهم، يقول سلمة بنِ الأّكْوَعِ رضي الله عنه: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ [2] فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ قَالَ فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ قَالُوا كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ" [3] ."

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف حقهم فلم يكن يهضمه حتى وإن كان هناك كبار، روى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ أَصْغَرُ الْقَوْمِ وَالْأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ يَا غُلَامُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الْأَشْيَاخَ قَالَ مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ [4] .

هذه صورة مختصرة لأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وشمائله الكريمة، التي تكفي دليلًا على نبوته وبعثته، فإن الله عزوجل لم يكن ليصطفي من يحمل هذه الرسالة العظيمة إلا من كان في مثل هذه الأخلاق، وكان متصفًا بتلك الشمائل، فإن النبوة اصطفاء واختيار من الرب تبارك وتعالى.

وإضافة لما سبق ذكره من الأخلاق القويمة والشيم الكريمة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمتع بتوازن نفسي وسلوكي لا يتصف به إلا أنبياء الله ورسله الذين اصطفاهم الله عزوجل واختارهم لأعظم مهمة وأفضل دور.

عن أنسٍ رضى الله عنه قال: جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوتِ أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأينَ نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غَفَرَ الله له ما تقدَّمَ من ذنبه وما تأخَّرَ.

قال أحدُهم: أما أنا فأنا أصلّي الليلَ أبدًا، وقال آخر: أنا أصومُ الدهرَ ولا أفطرُ، وقال آخرُ: أنا أعتزلُ النساءَ فلا أتزوجُ أبدًا.

فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصومُ وأفطر، وأصلي وأرقُد، وأتزوَّجُ النساءَ، فمن رغِبَ عن سنتي فليس مني" [5] .

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم ما كان عليه من زهد في الحياة وإقبال على الأخرة، ورغم اجتهاده في عبادته لربه إلا إنه لم يعتزل الدنيا بل إنه نهى أصحابه عن فعل ذلك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عظيم عبادته وخشيته وزهده يسير أمر الأمة أعظم تسيير ويراعى حاجات بيته ويداعب أطفاله كما رأينا فيما ذكرناه من أخلاقه الكريمة وشيمه العظيمة وليس ذلك إلا لما تمتع به من توازن نفسي وسلوكي حباه به الله عزوجل.

(1) 2 - صحيح البخاري كتاب الاستئذان، باب التسليم على الصبيان.

(2) 3 - يترامون.

(3) 4 - رواه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد) .

(4) 5 - رواه البخاري كتاب المساقاة، باب من رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة.

(5) 1 - رواه البخاري في النكاح، باب الترغيب في النكاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت