فهرس الكتاب
الإسلام في تطبيقه القضائي ما سوغ لأحد التتبع والتجسس على الناس (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا) [الحجرات: 12] .
فلا تجسس ولا تتبع للعورات بل إنّ العقاب يكون حيث يتحقق الإثبات فهو مفسدة ودفعها مصلحة.
إن من ينظر إلى الحدود في جريمتي الزنا والسرقة، يلاحظ أنها لا تثبت إلا عن طريقين فقط.
الطريق الأولى: طريِقة الاعتراف الصحيح، الخالي من الموانع، الصادر من عاقل بالغ، وفى حالة معتبرة شرعًا، دون إكراه أو ضرورة، وأن يثبت على إقراره حتى يتم تنفيذ العقوبة فيه، وله الحق أن يرجع عن إقراره ولو بعد الشروع في معاقبته، فأي شدة أو قسوة في ذلك؟.
الطريقة الثانية: أن تثبت هذه الحدود عن طريق الشهادة، وإنها لطريق صعبة، ومسلك وعر، فقد وضعت شروط دقيقة عديدة، قل أن تتوفر، خاصة بالنسبة للزنا، فهناك شروط في الشاهد، وهناك شروط في الشهادة وشروط في الإحصان، وشروط في الزنا، ومن النادر جدا أن تتوفر هذه الشروط في قضية من القضايا.
ولعلنا قبل أن نترك تلك النقطة ننقل شهادة أوروبي عن نتائج وآثار العقوبات الإسلامية في المجتمع الإسلامي، وآثار العقوبات الوضعية في المجتمعات الأخرى، ينقل لنا الأستاذ أبو الحسن الندوي انطباعات الأستاذ محمد أسد، وهو من النمسا عندما زار دمشق في أول القرن العشرين الميلادي، يوم كانت دمشق تعيش تحت ظل الخلافة العثمانية، على ما كان فيها من تقصير وإهمال يقول:"وقفت على ذلك الاستقرار الروحي في حياة سكانها، إن أمنهم الباطني كان يمكن أن يرى في الطريقة التي كان أحدهم يتصرف بها نحو الآخر، ثم يسترسل فيقول: وفي الطريقة التي كان أصحاب الدكاكين يعاملون بعضهم بعضا، أولئك التجار في الحوانيت الصغيرة الذين كانوا يبدون وكأنما ليس فيهم أيما قدر من الخوف أو الحسد، حتى إن صاحب دكان فيهم ليترك دكانه في عهدة جاره ومزاحمة، كل ما دعته حاجته إلى التغيب بعض الوقت، وما أكثر ما رأيت زبونا يقف أمام دكان غاب صاحبه عنه، يتساءل فيما بينه وبين نفسه، ما إذا كان ينتظر عودة البائع أو ينتقل إلى الدكان المجاور، فيتقدم التاجر المجاور دائما"التاجر المزاحم"، ويسأل الزبون عن حاجته ويبيعه ما يطلب من البضاعة، لا بضاعته هو بل بضاعة جاره الغائب، ويترك له الثمن على مقعده، أين في أوروبا يستطيع المرء أن يشاهد مثل هذه الصفقة".
هذه هي الشريعة الإسلامية، وتلك مميزاتها وهذا رد على أهم الشبهات المحيطة بها، فأين المنصفون والعقلاء.
تعرضنا في المحاور السابقة إلى المنهج النظري العقلي الذي اتبعه هرقل للتأكد من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونعرض الآن دليلا جدليًا لم يأتي في قصة هرقل إلا إنه من الدلائل الهامة التي تثبت نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو دليل الإلزام، وهو دليل جدلي يستخدم عند مجادلة أهل الكتاب أو مناظرتهم بشأن نبوة خير الأنام صلى الله عليه وسلم.
دليل الإلزام:
الغاية من هذا الدليل هو إقامة الحجة على من يقر بنبوة موسي وعيسي عليهما السلام وينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كان لهؤلاء الأنبياء والرسل دلائل على نبوتهما وصدقهما، فإن دلائل نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر وأظهر.
فنسأل أهل الكتاب من اليهود: ما الذي جعلكم تؤمنون بموسي عليه السلام؟، عندها سوف تنحصر إجابتهم في الحديث عن دلائل نبوته عليه السلام من معجزات، وأخلاق، وتأييد الله له، ورسالته ومبادئها، أو غير ذلك من الأدلة.
وتكون إجابتنا عليهم عندها: إن كل ما ذكرتموه، فهو موجود في النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بل أكثر من ذلك وأظهر وأوضح.
فمعجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجاوزت ألفًا وهي ظاهرة وواضحة وأعظم من معجزات موسي عليه السلام، فمن معجزاته صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر وهي تفوق معجزة شق البحر لموسي عليه السلام، ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم نبع الماء من بين أصابعه وهي تفوق معجزة ضرب موسي الحجر بالعصا فنبعت منه أعين الماء، وهكذا فما من معجزة أجراها الله عزوجل على يد نبي من الأنبياء السابقين إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم مثلها وأكثر وأظهر، ويكفيه رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزةً هذا القرآن الكريم المعجز في لغته وبلاغته، والمعجز في تشريعه، والمعجز بما كشفه من حقائق علمية لم تعرف إلا في العصور المتأخرة، والمعجز بما حواه من حقائق تاريخية وقصص الأمم السابقة ما لم يأتي في كتب السابقين مع تناسق وتماسك ووضوح وأسلوب أبلغ وأوضح من أسلوب الكتب السابقة.
أما أخلاقه صلى الله عليه وسلم فقد ذكرنا منها طائفة في هذه الرسالة ورأينا كيف أنه صلى الله عليه وسلم كان في قمة الأخلاق وتمتع بتوازن نفسي وسلوكي لا يكون إلا لمن أدبه ربه عزوجل فأحسن تأديبه صلى الله عليه وسلم.
أما دعوته ورسالته صلى الله عليه وسلم فهي أكمل الشرائع وأفضلها، وقد عرضنا مميزات الشريعة الإسلامية ورددنا على أهم شبهة يلقيها أعداء الإسلام.
لذلك فإن أهل الكتاب إذا أقروا بما سقناه لهم من أدلة وبراهين فلا يسعهم إلا أن يصدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤمنوا بشرعته.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب النبوات:"ثم نبوة عين هذا النبيّ [1] تكون ظاهرة؛ لأنّ الذي جاء به أكمل مما جاء به جميع الأنبياء، فمن أقرّ بجنس الأنبياء، كان إقراره بنبوة محمّد في غاية الظهور، أبين مما أقرّ أنّ في الدنيا نحاة، وأطباء، وفقهاء .. ولهذا كان من نازع من أهل الكتاب في نبوة محمد إما أن يكون لجهله بما جاء به،"
(1) 1 - يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم.