فبقاء هذا الدين وازدهاره وتقدمه، دليل صدق وأمارة ظاهرة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنكتفي هنا بذكر قصة أو قصتين تدلان على اعتراف أهل الكتاب من بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنبوته وبعثته.
من أعجب الأخبار في هذا الباب قصة الإمام أبي محمد عبد الله الترجمان الميورقي المتوفى سنة 832 هـ، كان يدعى"انسلم تورميدا"وكان من أكبر قساوسة النصارى في وقته، بل كان مهيئا لأن يصبح البابا الأكبر، ثم أسلم عندما وقع على آية في الإنجيل تبشر بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم.
وبعد إسلامه ألف الترجمان كتابه الشهير"تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب"، وقسمه قسمين؛ القسم الأول: في ذكر قصة إسلامه، والثانية في الردود المفصلة على النصارى، ونختصر هنا قصة انتقاله إلى الإسلام التي أفاض في تفصيلها:
قال: اعلموا رحمكم الله أن أصلي من مدينة ميورقة [1] ، وكان والدي محسوبا من أهل حاضرة ميورقة، ولم يكن له ولد غيري، ولما بلغت ست سنين من عمري أسلمني إلى معلم من القسيسين، قرأت عليه الإنجيل حتى حفظت أكثره في مدة سنتين، ثم أخذت في تعلم لغة الإنجيل وعمل المنطق في ست سنوات، ثم ارتحلت من بلدي إلى مدينة لاردة من أرض القسطلان [2] ، وهي مدينة العلم عند النصارى في ذلك القطر، ويجتمع فيها طلبة العلم من النصارى، وينتهون إلى ألف وخمسمائة ولا يحكم فيهم إلا القسيس الذي يقرؤون عليه، فقرأت فيها علم الطبيعيات والنجامة مدة ست سنين، ثم تصدرت فيها أقرأ الإنجيل ولغته ملازما ذلك مدة أربع سنين، ثم ارتحلت إلى مدينة بلونية من أرض الأنبردية، وهي مدينة كبيرة جدا، وهي مدينة علم ويجتمع بها كل عام من الآفاق أزيد من ألفي رجل يطلبون العلوم، ولا يلبسون إلا الملف [3] (الذي هو صباغ الله) [4] ، فسكنت في كنيسة لقسيس كبير السن عندهم كبير القدر اسمه: (نقلاو مرتيل) ، وكانت منزلته فيهم في العلم والدين والزهد رفيعة جدا، انفرد بها في زمنه عن جميع أهل دين النصرانية، فكانت الأسئلة في دينهم تَرد عليه من الآفاق من جهة الملوك وغيرهم، ويصحب الأسئلة من الهدايا الضخمة ما هو الغاية في بابه، ويرغبون في التبرك به، وفي قبوله لهداياهم، ويتشرفون بذلك.
فقرأت على هذا القسيس علم أصول النصرانية وأحكامه، ولم أزل أتقرب إليه بخدمته والقيام بكثير من وظائفه حتى صيرني من أخص خواصه، وانتهيت في خدمتي له وتقربي إليه إلى أن دفع إلىَّ مفاتيح مسكنه وخزائن مأكله ومشربه، وصير جميع ذلك على يدي، ولم يستثن من ذلك سوى مفتاح بيت صغير بداخل مسكنه كان يخلو فيه بنفسه، والظاهر أنه بيت خزانة أمواله التي كانت تهدى إليه، والله أعلم.
(1) 1 - ميورقة: جزيرة في البحر الأبيض المتوسط، جنوب شرقي أسبانيا اليوم، فتحها المسلمون سنة 290 هـ، وتغلب عليها العدو البرشلوني وخربوها في عام 508 هـ.
(2) 2 - تدعى اليوم"كاستيلون"و"قسطلة"مدينة بالأندلس.
(3) 3 - زي يلتحف به.
(4) 4 - لعله زي مصبوغ بصباغ له قداسة عندهم.