فهرس الكتاب
قالت فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال.
فقال وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم الآمنون - من سبكم غرم ثم من سبكم غرم فما أحب أن لي دبرا ذهبا وأني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسان الحبشة الجبل- ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه.
قالت فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار" [1] ."
تلك كانت قصة ملك عظيم في التاريخ القديم، أما الحاضر فإن قصص الذين آثروا الحياة الأخرة على الدنيا كثيرة، نورد منها قصتين فحسب:
البروفسور خالد ميلاسنتوس
(آرثر ميلاسنتوس) دكتوراه في اللاهوت، وكان الرجل الثالث في مجمع كنائس قارة آسية، في أثناء عمله بالتنصير عام 1983 قال لنفسه: أي ضير في قراءة القرآن من أجل الرد على المسلمين؟ فتوجه إلى أحد المسلمين سائلًا إياه أن يعيره كتاب المقدس، فوافق المسلم مشترطًا عليه أن يتوضأ قبل كل قراءة، ثم شرع آرثر يقرأ القرآن خفية، ولنستمع إليه يحدثنا عن تجربته الأولى مع القرآن:"عندما قرأت القرآن أول مرة، شعرت بصراع عنيف في أعماقي، فثمة صوت يناديني ويحثني على اعتناق هذا الدين، الذي يجعل علاقة الإنسان بربه علاقة مباشرة، لا تحتاج إلى وساطات القسس، ولا تباع فيها صكوك الغفران!! وفي يوم توضأت، ثم أمسكت بالقرآن فقرأت: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ علَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} فأحسستُ بقشعريرة، ثم قرأت: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} فحلت السكينة في الروح الحيرى، وشعرت أني قد خُلقت من جديد".
في تلك الليلة لم يصبر آرثر حتى تطلع الشمس، بل اتجه حالًا إلى منزل صديقه المسلم ليسأله عن كيفية الدخول في الإسلام، وبين حيرة الصديق ودهشته نطق آرثر بالشهادتين" [2] ."
الدكتور موريس بوكاي
طبيب فرنسي، رئيس قسم الجراحة في جامعة باريس، اعتنق الإسلام عام 1982 م، ويُعتبر كتابه (التوراة والقرآن والعلم) من أهم الكتب التي درست الكتب المقدسة على ضوء المعارف الحديثة، وله كتاب (القرآن الكريم والعلم العصري) منحته الأكاديمية الفرنسية عام 1988 م جائزة في التاريخ، يقول:"إن أول ما يثير الدهشة في روح من يواجه نصوص القرآن لأول مرة هو ثراء الموضوعات العلمية المعالجة، وعلى حين نجد في التوراة الحالية أخطاء علمية ضخمة، لا نكتشف في القرآن أي خطأ، ولو كان قائل القرآن إنسانًا فكيف يستطيع في القرن السابع أن يكتب حقائق لا تنتمي إلى عصره، ليس هناك تفسير وضعيّ لمصدر القرآن" [3] .
"لم أجد التوافق بين الدين والعلم إلا يوم شرعت في دراسة القرآن الكريم فالعلم والدين في الإسلام شقيقان توأمان لأن القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف يدعوان كل مسلم إلى طلب العلم، طبعًا إنما نجمت إنجازات الحضارة الإسلامية العظيمة عن امتثال الأوامر المفروضة على المسلمين منذ فجر الإسلام" [4] .
هذان مثالان فقط نكتفي بهما لنثبت صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فهؤلاء العقلاء والمفكرين والعلماء الذين يقرون كل يوم بصحة هذا الدين وفضل ذلك النبي لا يستطيع أحد أن يطعن في عقولهم ورجاحته.
ومن صور تأييد الله عزوجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن الله نصره على قومه، وأهلك الله المكذبين منهم، والأمئلة على ذلك كثيرة، نكتفي بإيراد مثالين منها:
1 -الأسْدُ تنتصر لرسول الله (مصير عتبة بن أبي لهب) :
كان"عتبة بن أبي لهب"من أشد المتطاولين على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، بلغ من جرمه وعدوانه أن أمسك بتلابيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفل في وجهه الشريف، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسلط عليه الله كلبًا من كلابه.
ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره [5] أن ابن عساكر أورد في"تاريخ دمشق"في ترجمة"عتبة بن أبي لهب"من طريقه عن هَبَّار بن الأسود قال: كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزا إلى الشام، فتجهزت معهما، فقال ابنه عتبة: والله لأنطلقن إلى محمد ولأوذينه في ربه، سبحانه، فانطلق حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، هو يكفر بالذي دنى فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم ابعث إليه كلبا من كلابك"، ثم انصرف عنه فرجع إلى أبيه فقال: يا بني، ما قلت له؟ فذكر له ما قال له، قال: فما قال لك؟ قال:"اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك"قال: يا بني، والله ما آمنُ عليك دُعاءه.
فسرنا حتى نزلنا الشراة، وهي مأْسَدَة، ونزلنا إلى صَوْمَعة راهب، فقال الراهب: يا معشر العرب، ما أنزلكم هذه البلاد فإنها تسرح الأسْدُ فيها كما تسرح الغنم؟ فقال لنا أبو لهب: إنكم قد عرفتم كبر سني وحقي، وإن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوةً، والله ما آمنها عليه، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة، وافرشوا لابني عليها، ثم افرشوا حولها، ففعلنا، فجاء الأسد فَشَمّ وجوهنا، فلما لم يجد ما يريد تَقَبّض، فوثب، فإذا هو فوق المتاع، فشم وجهه ثم هزمه هَزْمة فَفَضخ رأسه. فقال أبو لهب: قد عرفت أنه لا ينفلت عن دعوة محمد.
2 -الكلاب تثأر لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
ومن الوقائع العجيبة في انتقام الله عزوجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ما ذكره الحافظ ابن حجر في كتابه"الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة"؛ حيث ذكر الحافظ ابن حجر".. أن بعض أمراء المغل [6] تنصر فحضر عنده جماعة من"
(1) 1 - مسند الإمام أحمد (1/ 201) وحسنه شعيب الأرناؤوط في تعليقه على المسند.
(2) 1 - (لمَ أسلم هؤلاء الأجانب) محمد عثمان (1/ 147) .
(3) 2 - (دراسة الكتب المقدسة على ضوء المعارف الحديثة) د. موريس بوكاي ص (145) .
(4) 1 - (القرآن الكريم والعلم المعاصر) د. موريس بوكاي ص (123) .
(5) 2 - تفسير ابن كثير (7/ 342) .
(6) 1 - المغل المقصود بهم المغول.