فهرس الكتاب
قال ابن حجر:"وقد اشتمل ذلك على عَلمٍ عظيمٍ من أعلام النبوة ... وظاهره أن جميع ما أخذوه من الماء مما زاده الله تعالى وأوجده, وأنه لم يختلط فيه شيء من مائها في الحقيقة وإن كان في الظاهر مختلِطًا, وهذا أبدعُ وأغربُ في المعجزة .. ويُحتمل أن يكون المراد: ما نَقصْنَا من مِقدار مائِك شيئًا". [1]
وخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في سفر آخر فقال: (إنكم إنْ لا تدركوا الماء غدًا تعطشوا) ، ثم سار وسرنا هُنَيهةً، ثم نزل، فقال: (أمعكم ماء؟) ، قال أبو قتادة: قلتُ: نعم، معي ميضأة فيها شيء من ماء.
فقال صلى الله عليه وسلم: (ائتني بها) ، فأتيته بها، فقال: (مَسُّوا منها، مَسُّوا منها ) ) ، فتوضأ القوم، وبقيتْ جُرعة، فقال صلى الله عليه وسلم: (ازدهر بها [أي احتفظ بها] يا أبا قتادة، فإنه سيكونُ لها نبأ) ...
يقول أبو قتادة: فلما اشتدت الظهيرة خرج لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، هلكنا عطشًا، تقطعت الأعناق، فقال: (لا هُلْكَ عليكم) ، ثم قال: (يا أبا قتادة ائت بالميضأة) ، فأتيتُ بها، فقال: (اِحلِل لي غُمري) يعني قدَحَه، فحَللتُه، فأتيتُ به، فجعل يصبُ فيه، ويسقي الناس، فازدحم الناس عليه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس أحسِنوا الملَأْ، فكُلكم سيصدُر عن رِيّ) ، فشرب القوم حتى لم يبق غيري وغيرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فصب لي، فقال: (اشرب يا أبا قتادة) ، قلت: أنت يا رسول الله، قال: (إن ساقيَ القومِ آخرُهم) ، فشربتُ وشرِب بعدي، وبقي في الميضأة نحوٌ مما كان فيها، وهم يومَئذ ثلاثُ مائة" [2] ."
قال النووي:"وفي حديث أبي قتادة هذا معجزاتٌ ظاهراتٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم."
إحداها: إخباره بأن الميضأة سيكونُ لها نبأ، وكان كذلك.
الثانيةُ: تكثيرُ الماء القليل.
الثالثةُ: قوله صلى الله عليه وسلم: (( كلكم سيَرْوى ) ), وكان كذلك" [3] ."
فهذه معجزات ظاهرة وآيات باهرة لم تقع مرة واحدة بل مرات، وليس في طوق البشر أن يأتوا بمثلها، إذ لم تجر سنة الله في الكون أن الماء ينبع من بين أصابع الإنسان مهما كان إلا أن تكون آية تدل على صدق نبّوة من ادعاها.
وهذا بئر الحديبية جفت ماؤه فبصق فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففاض بالماء.
روى البخاري في صحيحه عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً [4] وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا [5] حَتَّى لَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً فَجَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَفِيرِ [6] الْبِئْرِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَجَّ فِي الْبِئْرِ فَمَكَثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ اسْتَقَيْنَا حَتَّى رَوِينَا وَرَوَتْ أَوْ صَدَرَتْ رَكَائِبُنَا [7] " [8] ."
(1) 6 - فتح الباري (1/ 540) .
(2) 1 - صحيح مسلم رقم 1099.
(3) 2 - شرح النووي على صحيح مسلم (5/ 189) .
(4) 1 - 1400 شخص.
(5) 2 - أي استقوا منها الماء حتى جفت.
(6) 3 - حافة البئر.
(7) 4 - الإبل التي يسار عليها.
(8) 5 - صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الحديبية.