وفي هذا أكبر دليل وأنصع حُجة على أن رسالة الإسلام حققت ذروة الكمال، وقمة الخير والفضيلة والأخلاق، كما أن قدوة هذه الأمة عليه الصلاة والسلام كان المثل الأعلى والنموذج الأسمى للخلق الكريم.
وكما كانت سيرته العملية، وسنته الفعلية نبراسًا في الأخلاق، فقد زخرت سنته القولية بالإشادة بمكارم الأخلاق، ومكانة أهلها، وعظيم ثوابها، وهي مبثوثة في الصحاح والسنن وغيرها، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: (إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا) ، (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق) ، (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) ، (أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) ، (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا) .
فللأخلاق الحسنة في الإسلام شأن عظيم من تخلف عنها نقص من حسناته وزيد في سيئاته، فالحذار الحذار من مذموم الأخلاق وسيئها.
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا من محاسن الأخلاق وكريمها، ولم يتخلف عنها، فأخلاق المرء لا تنفك عنه، ولا يستطيع التحلى بها في وقت وتركها في وقت آخر، وقد نشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أول أمره إلى آخرة لحظة من لحظاته متحليا بكل خلق كريم، مبتعدا عن كل وصف ذميم، فهو أعلم الناس وأنصحهم وأفصحهم لسانا، وأقواهم بيانا، وأكثرهم حياء، يضرب به المثل في الأمانة والصدق والعفاف.
ولا عجب فقد أدبه الله فأحسن تأديبه فكان أرجح الناس عقلا، وأكثرهم أدبا، وأوفرهم حلما، وأكملهم قوة وشجاعة وشفقة، وأكرمهم نفسا، وأعلاهم منزلة، وبالجملة كل خلق محمود يليق بالإنسان فله صلى الله عليه وسلم منه القسط الأكبر والحظ الأوفر، وكل وصف مذموم فهو أسلم الناس منه وأبعدهم عنه شهد له بذلك العدو والصديق، ونورد هنا شهادات الأحباب والأعداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن أخلاقه واكتسابه لكريمها.
يكفى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم شهادة له بحسن خلقه وصف اللهُ عزوجل بذلك، قال الله في كتابه: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4] ؛ يقول الحافظ ابن كثير:"قال العوفي، عن ابن عباس: أي: وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. وكذلك قال مجاهد، وأبو مالك، والسدي، والربيع بن أنس، والضحاك، وابن زيد."
وقال عطية: لعلى أدب عظيم، وقال مَعْمَر، عن قتادة: سُئلت عائشةُ عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: كان خلقه القرآن، تقول كما هو في القرآن.
وقال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة قوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} ذكر لنا أن سعد بن هشام سأل عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن.
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى عن سعد بن هشام قال: سألت عائشة فقلت: أخبريني يا أم المؤمنين -عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: أتقرأ القرآن؟ فقلتُ: نعم. فقالت: كان خلقه القرآن.