فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 166

من المعلوم أن مدعى الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم؛ فهما شخصان لا ثالث لهما لذلك فإن معرفة الصادق والتمييز بينه وبين الكاذب من أسهل الطرق وأيسرها لبعد ما بين الشخصين، فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم.

وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز، وما من نبي صادق إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز، بل إن كل شخصين ادعيا أمرا من الأمور أحدهما صادق في دعواه والآخر كاذب فلا بد أن يبين صدق هذا وكذب هذا من وجوه كثيرة.

وقبل الحديث عن أخلاقه صلى الله عليه وسلم يحسن بنا أن نقدم بمقدمة نتحدث فيها عن الأخلاق وأهميتها وحرص الإسلام عليها.

تعريف الأخلاق:

أما تعريف الخلق، فالخليقة هي: الطبيعة، كما قال ابن منظور رحمه الله في لسان العرب: وفي التنزيل: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4] والجمع: أخلاق، والخُلْق والخُلُق السجية، والخُلُق هو الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه صورة الإنسان الباطنة -وهي نفسه- وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة.

وقال القرطبي رحمه الله تعالى في المفهم: الأخلاق أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره، وهي محمودة ومذمومة، فالمحمودة على الإجمال: أن تكون مع غيرك على نفسك، فتنصف منها ولا تنصف لها، وعلى التفصيل: العفو، والحلم، والجود، والصبر، والرحمة، والشفقة، والتوادد، ولين الجانب، ونحو ذلك، والمذموم منها ضد ذلك: أي: ضد الأخلاق المحمودة، كالكذب والغش والقسوة ونحوها من الأخلاق الرديئة.

وقد عرّف الجرجاني الخلق في التعريفات بقوله: الخلق: عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، وهو تعريف جيد حيث أن الأخلاق تترسخ في نفس الإنسان وتصطبغ بها أفعاله وسلوكياته، ولا يمنع ذلك من إمكانية تغيير الأخلاق السيئة إلا إن ذلك يحتاج إلى جهد وإرادة من صاحب الخلق السيء.

مكانة الأخلاق في الإسلام:

للأخلاق في الإسلام مكانة عظيمة، بلغت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حصر مهمة بعثته، وغاية دعوته، بكلمة عظيمة جامعة، فقال فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ [1] .

(1) 1 - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (4/ 61) : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت