فهرس الكتاب
فإن قلتم: لم يعلم به نسبتموه إلى أقبح الجهل، وكان من عَلَم ذلك أعلم منه.
وإن قلتم: بل كان ذلك كله بعلمه ومشاهدته واطلاعه عليه، فلا يخلو إما أن يكون قادرا على تغييره والأخذ على يديه ومنعه من ذلك أو لا، فإن لم يكن قادرا فقد نسبتموه إلى أقبح العجز المنافي للربوبية، وإن كان قادرا وهو مع ذلك يعزه وينصره، ويؤيده ويعليه ويعلى كلمته، ويجيب دعاءه، ويمكنه من أعدائه، ويظهر على يديه من أنواع المعجزات والكرامات ما يزيد على الألف، ولا يقصده أحد بسوء إلا أظفره به، ولا يدعوه بدعوة إلا استجابها له، فهذا من أعظم الظلم والسفه الذي لا يليق نسبته إلى آحاد العقلاء، فضلا عن رب الأرض والسماء، فكيف وهو يشهد له بإقراره على دعوته وبتأييده وبكلامه، وهذه عندكم شهادة زور وكذب.
فلما سمع ذلك قال معاذ الله أن يفعل الله هذا بكاذب مفتر بل هو نبي صادق من اتبعه أفلح وسعد.
قلت: فما لك لا تدخل في دينه؟، قال: إنما بعث إلى الأميين الذين لا كتاب لهم، وأما نحن فعندنا كتاب نتبعه.
قلت له: غُلبت كل الغلب، فإنه قد علم الخاص والعام أنه أخبر أنه رسول الله إلى جميع الخلق، وإن من لم يتبعه فهو كافر من أهل الجحيم، وقاتل اليهود والنصارى وهم أهل كتاب، وإذا صحت رسالته وجب تصديقه في كل ما أخبر به، فأمسك ولم يحر جوابًا" [1] ."
إن هذه المناظرة التي أجراها الإمام ابن القيم لهي دليل واضح على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الله عزوجل لم يكن لينصره ويؤيده هذا التأييد إن لم يكن خاتم النبيين وسيد المرسلين، ونذكر هنا بعض صور نصر الله عزوجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
من أكبر صور نصرة الله عزوجل لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أتباعه في زيادة مطردة مستمرة ودينه في انتشار وصعود دائم، قد مضى عليه أكثر من 14 قرنًا وهو في انتشار وتزايد حتى بلغ عدد أتباعه أكثر من 1.3 مليار مسلم ويوشك أن يصبح الإسلام في الأعوام القادمة هو الدين الأول في الأرض، فقد أظهرت إحصائية غربية عن معدل انتشار الأديان الثلاثة (اليهودية والنصرانية والإسلام) في العالم خلال الخمسين سنة الماضية النتائج التالية:
اليهودية: - 4%.
النصرانية: 57%.
الإسلام: 235% [2] .
إن هذه النتائج لهي من علامات الصدق والحق فإن الكذب والباطل لا بد أن ينكشف في آخر الأمر فيرجع عنه أصحابه ويمتنع عنه من لم يدخل فيه.
(1) 1 - هداية الحيارى لابن القيم.