فهرس الكتاب
قال صاحب عون المعبود:" (قال وما أصنع بولد الناقة) : لما كان المتعارف عند العامة في بادي الرأي استعمال ولد الناقة فيما كان صغيرا لا يصلح للركوب وإنما يقال للصالح الإبل توحش الرجل على فهم المعنى .. والمعنى إنك لو تدبرت لم تقل ذلك ففيه الإشارة إلى أنه ينبغي لمن سمع قولا أن يتأمله ولا يبادر إلى رده، وفي هذا الحديث إباحة المزاح والدعابة، وكان صلى الله عليه وسلم يداعب الصحابة ولا يقول إلا حقا".
أما وفاؤه صلى الله عليه وسلم فقد كثرت الأخبار في هذا الأمر منذ ولادته وحتى وفاته، روى أبو داود عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيْعٍ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ فَنَسِيتُ ثُمَّ ذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَجِئْتُ فَإِذَا هُوَ فِي مَكَانِهِ فَقَالَ يَا فَتًى لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ أَنَا هَاهُنَا مُنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُكَ [1] ، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب إلى المكان المتفق عليه في الموعد ثلاث مرات متوالية حتى يأتيه الرجل وما ذلك إلا لصدق وعده وحسن وفائه صلى الله عليه وسلم لا لقبض ثمنه، وإذا كان ذلك حاله قبل البعثة فإن حاله بعد الإسلام أعظم وأكبر كيف لا وقد عد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يف بوعده من المتلبسين بعلامات النفاق، روى البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: قَالَ آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ [2] .
ومن وفائه صلى الله عليه وسلم وفاؤه لزوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، تقول أمُ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيْتُهَا وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ ذِكْرَهَا وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ فَيَقُولُ إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ [3] .
أما وفاؤه صلى الله عليه وسلم مع أعدائه فكان ذلك من عظيم أخلاقه رغم ما واجهه من اضطهاد وتعذيب، ولقد رأينا كيف أن هرقل عظيم الروم سأل أبا سفيان بن حرب ولم يكن أسلم يؤمئذ سأله إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغدر فكانت إجابة أبي سفيان الصريحة: لا.
وهذا صحابي يتخلف عن غزوة بدر لا لشيء إلا وفاءًا بالعهد، يقول حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ، فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا مَا نُرِيدُهُ مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: (انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ) [4] .
ولقد شهد له الأعداء بوفائه ومن ذلك أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه إلى العمرة بعد صلح الحديبية مع قريش، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي والمسلمون معه يلبون، ومضى محمد بن مسلمة بالخيل إلى مر الظهران، فيجد بها نفرا من قريش، فسألوا محمد بن مسلمة فقال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله ورأوا سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد، فخرجوا سراعا حتى أتوا قريشا، فأخبروهم بالذي رأوا من السلاح والخيل، ففزعت قريش وقالوا: والله ما أحدثنا حدثا، وإنا على كتابنا وهدنتنا، ففيم يغزونا محمد في أصحابه ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح إلى بطن يأجج [5] حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وبعثت قريش مكرز بن حفص بن الأحنف في نفر من قريش، حتى لقوه ببطن يأجج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، والهدي والسلاح قد تلاحقوا فقالوا: يا محمد، ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر تدخل بالسلاح في الحرم على قومك، وقد شرطت لهم ألا تدخل إلا بسلاح المسافر السيوف في القرب [6] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لا أدخل عليهم السلاح» ، فقال مكرز: هذا الذي يعرف به البر والوفاء، ثم رجع سريعا بأصحابه إلى مكة [7] .
وصف الله عزوجل نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107] ، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: تمت الرحمة لمن آمن به في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن به عوفي مما أصاب الأمم قبل.
فالله عزوجل أرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع العالم، مؤمنهم وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن الله هداه به، وأدخله بالإيمان به، وبالعمل بما جاء من عند الله الجنة، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذّبة رسلها من قبله.
ولقد تمثلت رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكامه وهديه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ [8] .
ومن صور رحمته العحيبة ما رواه البخاري عن أَبِي قَتَادَةَ الأنصاري رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ [9] .
ولم يحرم رسولُ الله المشركين من رحمته، فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً [10] .
ولم تقتصر رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على البشر فقط بل تعدت إلى الحيوانات، وقد ورد في ذلك آثار كثيرة، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمَرَةً [11] مَعَهَا فَرْخَانِ [12] فَأَخَذْنَا
(1) 1 - رواه أبو داود كتاب الأدب باب"في العدة".
(2) 2 - رواه البخاري كتاب الإيمان باب علامة المنافق.
(3) 3 - رواه البخاري كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي خديجة وفضلها رضي الله عنها.
(4) 4 - روام مسلم كتاب الجهاد والسير باب الوفاء بالعهد.
(5) 1 - بطن: وسط، ويأجج مكان بمكة.
(6) 2 - القُرُب: جمع قِراب وهو الغمد الذي يحفظ فيه السيف ونحوه.
(7) 3 - دلائل النبوة للبيهقي (4/ 426) .
(8) 4 - رواه البخاري كتاب الجمعة باب السواك يوم الجمعة.
(9) 5 - رواه البخاري كتاب الجماعة والإمامة باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي.
(10) 6 - أخرجه مسلم في البر والصلة، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها.
(11) 1 - طائر صغير كالعصفور.
(12) 2 - الفرخ ولد الطائر.