فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 166

من جسده قد كان يجدها عنده من صفته حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرى، فقال له: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه وإنما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لا تسألني باللات والعزى، فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما، فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه فقال له سلني عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله في نومه وهيئته وأموره فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده، فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال له ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، قال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا؛ قال: فإنه ابن أخي؛ قال فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به قال صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده.

فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام؛ فزعموا فيما روى الناس أن زريرا وتماما ودريسا، وهم نفر من أهل الكتاب قد كانوا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما رآه بحيرى في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب فأرادوه فردهم عنه بحيرى، وذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا به لم يخلصوا إليه ولم يزل بهم حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال فتركوه وانصرفوا عنه [1] .

فهذا حديث عظيم يظهر كيف أن أهل الكتاب يهود كانوا أو نصارى كانوا في ترقب وانتظار لخروج النبي العدنان صلى الله عليه وسلم، منهم من كان ينتظر ليقتله وما كان له ذلك من سبيل، ومنهم من كان ينتظر ليؤمن به فيسعد في الدنيا والآخرة، وقد زعم بعض المستشرقين وأعداء الإسلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلم من بحيرى الراهب في هذا اللقاء ما كان السبب فيما بعد في إعلانه النبوة، ورغم تهافت هذه الشبهة وسقوطها، إلا إننا ننقل هنا دحض باحث غربي لهذه الشبهة، ولقد بحث الكاتب الإنكليزي توماس كارليل قضية لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم ببحيرى الراهب، يقول توماس كارليل في كتابه الأبطال: (ولما شب محمد وترعرع، صار يصحب عمه في أسفار تجارية وما أشبه، وفي الثامنة عشر من عمره نراه فارسًا مقاتلًا يتبع عمه في الحروب، غير أن أهم أسفاره ربما كان ذاك الذي حدث قبل هذا التاريخ ببضع سنين، رحلة إلى مشارف الشام، إذ وجد الفتى نفسه هنالك في عالم جديد إزاء مسألة أجنبية عظيمة الأهمية جدًا في نظره، أعنى الديانة المسيحية، وإني لست أدري ماذا أقول عن ذلك الراهب سرجياس(بحيرى) الذي يزعم أن أبا طالب ومحمدًا سكنا معه في الدار، ولا ماذا عساه أن يتعلمه غلام في هذه السن الصغيرة من أي راهب ما، فإن

(1) 1 - رواية ابن إسحاق أوردها ابن هشام في السيرة النبوية (1/ 160) ، وقد روى قصة بحيرى الراهب عدد من أصحاب السنن؛ منهم الترمذي في كتاب المناقب باب ما جاء في بدء نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه وأبو نعيم في الدلائل والبيهقي في الدلائل، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد ضعفه عدد من العلماء من بينهم الذهبي، وقد أورده الشيخ الألباني في صحيح السيرة النبوية، ومال إلى تصحيحه في تعليقه على"فقه السيرة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت