فرأى تلك الشامةَ، فوقعَ اليهوديُّ مغْشِيًا عليه، فلما أفاقَ، قالوا: ويلَكَ مالَكَ؟ قال: ذهبتْ واللهِ النبوةُ من بني إسرائيلَ، أَفَرِحْتُمْ به يا معشرَ قريش؟ أما والله ليَسْطُوَنَّ بكم سطوةً يخرج خبرُها من المشرقِ والمغربِ.
وكان في النفرِ الذي قال لهم اليهوديُّ ما قال: هشامٌ، والوليدُ، ابنا المغيرة، ومسافرُ بنُ أبي عمرو، وعبيدةُ بنُ الحارث، وعقبةُ بنُ ربيعة - شابٌ فوقَ المحتلم - في نفرٍ من بني عبدِ منافٍ وغيرُهم من قريش [1] .
3 -ومن القصص ذات الشأن في هذا الأمر، قصة بحيرى الراهب وموقفه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رآه صغيرًا مع عمه أبي طالب في رحلته إلى الشام، قال ابن إسحاق: ثم إن أبا طالب خرج في ركب تاجرا إلى الشام، فلما تهيأ للرحيل وأجمع المسير صب [2] به رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يزعمون - فرق له أبو طالب وقال والله لأخرجن به معي، ولا يفارقني، ولا أفارقه أبدا، أو كما قال.
فخرج به معه فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، يقال له بحيرى في صومعة له وكان إليه علم أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيها فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر.
فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا، وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته يزعمون أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله من بين القوم.
قال ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها.
فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته ثم أرسل إليهم فقال إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحركم فقال له رجل منهم والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم فما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرى: صدقت قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلوا منه كلكم، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة.
فلما نظر بحيرى في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده فقال يا معشر قريش، لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي؛ قالوا له يا بحيرى، ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام وهو أحدث القوم سنا، فتخلف في رحالهم فقال لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم.
قال فقال رجل من قبحيرى: القوم واللات والعزى، إن كان للؤم بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء
(1) 3 - أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 601) وعنه البيهقي في الدلائل (1/ 108، 109) وقالفتح. كم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ا. هـ، وإسناده حسن، وله طريق آخر عند ابن سعد في الطبقات (1/ 160) ، وحسنه الحافظ في الفتح.
(2) 4 - الصبابة: الشوق والاشتياق.