الصفحة 45 من 298

يتردد عليه ويعدده، ولهذا جاءت بصيغة المبالغة [عَدَّدَهُ] يعني أكثر تعداده لشدة شغفه ومحبته له يخشى أن يكون نقص، أو يريد أن يطمئن زيادة على ما سبق فهو دائمًا يعدد المال.

وقيل معنى [عَدَّدَهُ] أي جعله عُدة له يعني ادخره لنوائب الدهر، وهذا وإن كان اللفظ يحتمله لكنه بعيد، لأن إعداد المال لنوائب الدهر مع القيام بالواجب بأداء ما يجب فيه من زكاة وحقوق ليس مذمومًا، وإنما المذموم أن يكون أكبر هَمّ الإنسان هو المال، يتردد إليه ويعدده، وينظر هل زاد، هل نقص.

[يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ]

يعني يظن هذا الرجل أن ماله سيخلده ويبقيه، إما بجسمه وإما بذكره، لأن عمر الإنسان ليس ما بقي في الدنيا، بل عمر الإنسان حقيقة ما يخلده بعد موته، ويكون ذكراه في قلوب الناس وعلى ألسنتهم، فيقول في هذه الاية: [يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ] أي: أخلد ذكره أو أطال عمره.

والأمر ليس كذلك. فإن أهل الأموال إذا لم يُعرفوا بالبذل والكرم فإنهم يخلدون لكن بالذكر السيء. فيقال: أبخل من فلان، وأبخل من فلان ويذكر في المجالس ويعاب، ولهذا قال:

[كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِى الْحُطَمَةِ]

[كَلاَّ] هنا يسميها العلماء حرف ردع أي: تردع هذا القائل أو هذا الحاسب عن قوله أو عن حسبانه.

ويحتمل أن تكون بمعنى حقًّا «يعني حقًا لينبذن» وكلاهما صحيح، هذا الرجل لن يخلده ماله، ولن يخلد ذكراه، بل سينسى ويطوى ذكره، وربما يذكر بالسوء لعدم قيامه بما أوجب الله عليه من البذل.

[لَيُنبَذَنَّ فِى الْحُطَمَةِ]

اللام هذه واقعة في جواب القسم المقدر، والتقدير «والله لينبذن في الحطمة» ... أي: يطرح طرحًا.

وإذا قلنا: أن اللام لجواب القسم صارت هذه الجملة مؤكدة باللام، ونون التوكيد، والقسم المحذوف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت