فهناك تعرفُ ما ارتفا ... عُ هوى أخيك، وما اتضَاعه
وقال آخر:
لا تحمدنَّ على الإخاءِ مُؤاخِيًا ... حتى تَبيَّن قدرَ نحوِ إخائه
وبعض الأصحاب قد تجد منه روح الإخاء والمودة والإيثار ما دام في زمن الصبا والمراهقة أو في مقتبل الشباب في فترة الدراسة والطلب، فإذا خرج إلى مجال الحياة الأصعب بما فيه من زوجة وولد وتنافس في الكسب وطلب الرزق تغير الحال تمامًا ...
ومن ثم فخير لك أن تمنح نفسك فرصة كافية لمعرفة نفسك ومعرفة صاحبك على وجه الحقيقة، وليكن حبك له أثناء ذلك متدرجًا، فذلك خير من أن تصل لأعلى درجات المحبة له قبل أن تعرفه جيدًا، ثم تصدم بعد ذلك حين تكتشف أنه ليس في تلك الصورة المثالية التي رسمتها له، وهذا حال أكثر الخلق، ولذا قال المصطفى - صلى الله عليه وسلم: (( أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما ) ) [1] .
وحتى لو لم تصدم به ففي التأني في المحبة مصلحة أخرى، وذلك أن المحبة إذا وصلت من فورها لأعلى درجاتها لم يكن ثم مجال لزيادتها، فيخشى أن تكون معرضة للتناقص والفتور فـ (لكل شيء إذا ما تم نقصان) [2] ، وكما قال عمر رضي الله عنه: ليس بعد
(1) سبق تخريجه قريبًا.
(2) مطلع قصيدة لابي البقاء الرُّندي في رثاء الأندلس، وأولها:
لكل شيء إذا ما تم نقصان ... فلا يغر بطيب العيش إنسان
والقصيدة اثنان وأربعون بيتًا في نفح الطيب (6/ 234 وما بعدها) ، والقصيدة لم تقل في رثاء الأندلس عند سقوطها النهائي، ولكنه نظمها قبل ذلك حينما سقطت القواعد الأندلسية الكبرى كقرطبة وبلنسية وإشبيلية ومرسية. انظر: مصرع غرناطة ص 115.