المفسدة السادسة
الاعتداد بالرأي وضيق الصَّدْر عَن سَمَاعِ النّصْح أو الاقتراحَات
فإن هذا يشعر أخاك بحاجز كبير بينك وبينه, ويؤدي إلى انقباضه عنك في الحديث, وربما عد فيك شيئًا من الكبر ... فتتولد كراهيته لك في نفسه حتى لا يطيق صحبتك بعد ذلك ... فاحذر من انتقاص أعمال أخيك, ومن تجاهل آرائه واقتراحاته, وقابل ذلك بالتشجيع والأدب وسعة الصدر لا سيما إن لم يكن أخوك مُفْرطًا في ذلك.
وهاهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يراجعه أصحابه ونساؤه في أشياء ويقترحون عليه أمورًا فيقبل منهم ويتحول إلى ما أرادوا أو يجيبهم في سعة صدر عن اعتراضاتهم أو نقدهم أو استفساراتهم ...
فهاهو - صلى الله عليه وسلم - مع نبوته وفضله يقترح الصحابة أن يبنوا له عريشًا في بدر يكون فيه فيقبل ذلك منهم [1] ، ويشيرون عليه بالخروج في أحد فيخرج ولم يكن ذلك ما يميل إليه [2] ، وهاهي أم سلمة في الحديبية تشير عليه - صلى الله عليه وسلم - أن يبدأ هو بحلق رأسه ونحر هديه
(1) الذي اقترح بناء العريش هو سعد بن معاذ رضي الله عنه، وقصته تلك رواها ابن إسحاق في المغازي (2/ 620 ـ 621 ـ سيرة ابن هشام) ، والبيهقي في دلائل النبوة (3/ 44) ، وذكرها ابن كثير في البداية والنهاية (3/ 267) ، وابن عبد البر في الدرر في اختصار المغازي والسير ص 70، وانظر: السيرة النبوية الصحيحة للدكتور أكرم العمري (2/ 362) .
(2) قصة مشاورة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومراجعة أصحابه له في الخروج من المدينة يوم أحد رواها البخاري تعليقًا باختصار في كتاب الاعتصام باب (28) (وأمرهم شورى بينهم) في ترجمة الباب، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"والقدر الذي ذكره هنا مختصر من قصة طويلة لم تقع موصولة في موضع آخر من الجامع الصحيح، وقد وصلها الطبراني وصححها الحاكم ..."، ثم ذكرها الحافظ وقال:"وهذا مسند حسن"الفتح (13/ 353) ، والقصة رواها ابن إسحاق مطولة (3/ 63، 64 ـ سيرة ابن هشام) ، ورواها البيهقي في دلائل النبوة (3/ 204، 205) ، ورواه أيضًا الإمام أحمد في المسند (3/ 351) .