المفسدة الثامنة
النُّصْحُ في المَلأ
فإذا كان من صدق المحبة ومن أدب الصحبة ومن حقوق الأخوة أن تنصح أخاك إذا وجدته على منكر أو معصية أو خطأ وأن ترشده للصواب وما ينجيه من غضب الله وعقابه، إلا أن ذلك لا يعني أن تنصحه في العلن دون ضرورة تلجئ لذلك، إذ لا يختلف اثنان في أن النصيحة في العلن يكرهها الناس، فجميع الناس يكرهون أن تُبرز عيوبهم أمام الآخرين، بل النصيحة في العلن أو ذكر خطأ صاحبك في الملأ من أسرع ما يزيل المحبة ويزرع العداوة لما يشعر به من الفضيحة والتوبيخ، وقد يولد في نفسه العناد والرغبة في الانتقام ... وإلى هذا أشار الإمام الشافعي رحمه الله بقوله [1] :
تعمدني بنصحك في انفرادي ... وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع ... من التوبيخ لا أرضى سماعه
فإن خالفتنِي وعصيت قولي ... فلا تَجْزَعْ إذا لم تُعْطَ طَاعَة
ولكن إذا أخِذ الرجل جانبًا ونصح على انفراد لكان ذلك أدعى للقبول، وأدعى لفهم المسألة، ولأحبك لأنك قدمت إليه معونة وأسديت إليه خدمة بأن نصحته وصححت خطأه [2] .
(1) ديوان الشافعي ص 90.
(2) ولكن إذا رأى الإمام أو علم الناس خطًا صدر من بعض الأفراد في الملأ وخشي أن يؤثر على الناس فإن من السنة أن يصحح ذلك على المنبر دون ذكر اسم المخطئ، تعليمًا للناس ووقاية لهم من الخطأ حتى لو شعر المخطئ أن هذا التصحيح أو التقويم الذي قام به الإمام كان بسبب خطئه، فإن هذا لا بأس به، فقد بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن قومًا تنزهوا عن شيء صنعه فخطب الناس وقال: (( ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فإني والله أعلمكم بالله وأخشاكم له ) )، وكذلك لما طلب قوم بريرة من عائشة رضي الله عنها حين أعتقت بريرة أن تجعل لهم ولاءها، غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخرج فخطب الناس: (( ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله ) )... وقال: (( الولاء لمن أعتق ) ). انظر: الفتح (5/ 384، 385) .