وقبل الشروع في هذه المفسدات على وجه التفصيل فلابد من الإشارة إلى أن المقصود من ذكر هذه المفسدات اتقاؤها وصون أخوتنا عنها ومعرفة كيف يحافظ الأخ على أخيه وكيف تدوم له مودته، وإن الأمور التي يحافظ بها الأخ على أخيه وتدوم له بها مودته خضم عظيم، وبحر لا ساحل له، والحديث فيه لا تبدو له نهاية ...
والحديث عما تدوم به الأخوة فيه إجمال وتفصيل:
فإجمالًا: كرم العشرة سبب دوام الأخوة.
وكرم العشرة عبارة جامعة لكل ما ينمي العلاقة بينك وبين أخيك، وإن شئت فقل: هي حسن الخلق الذي أرشد إليه رسولنا - صلى الله عليه وسلم - في وصيته الجامعة: (( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ) ) [2] ، وقد تعددت
(1) قد يرى البعض شيئًا من التناقض في بعض المفسدات المذكورة، وليس كذلك فإن الفضيلة وسط بين طرفين كما أن كلًا من الإفراط والتفريط مذموم، والإفراط في هذا الجانب أو ما يقابله مذموم، ولتوضيح ذلك بمثال؛ فمن مفسدات الأخوة برود العاطفة والتفريط في إظهار المحبة، ومن المفسدات أيضًا الإفراط في المحبة، وليس هذا تناقضًا وإنما المراد أن لا يصل الحذر من الإفراط في المحبة إلى برود العاطفة أو التفريط في إظهار المحبة، كما لا ينبغي أن تؤدي العاطفة الحية الجياشة وإظهار المحبة إلى الإفراط وما يؤدي إليه من عواقب سيئة تعود على الأخوة بالفساد ـ كما سيأتي في موضعه ـ وعلى هذا فقس أمثاله (كتدخلك فيما لا يعنيك من شئونه مع عدم الاكتراث بمشاكله ... وهكذا ... ) .
(2) رواه الترمذي في البر والصلة رقم (1987) ، وأحمد في مسنده (5/ 153، 158) ، والدارمي في الرقاق رقم (2791) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
ورواه الترمذي في الموضع السابق، وأحمد في مسنده (5/ 228، 236) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم (97) ، وقد تكلم الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله على هذا الحديث كلامًا نفيسًا في جامع العلوم والحكم"الحديث الثامن عشر".