فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 173

والله مبغض لك ساخط عليك، فهو تعالى وحده الذي {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر:19] .

وقد كان محمد بن واسع رحمه الله يقول في بعض دعائه: اللهم إني أعوذ بك أن أحَبَّ لك وأنت لي مبغض أو ماقت.

قال سفيان: فكان يقال: إذا عرفت نفسك لم يضرك ما قيل لك [1] .

فاستحي من الله وإياك أن تغتر بثناء الناس عليك وانخداعهم بك أو غفلتهم عما في محبتك لهم من الغش والشوائب، وستر الله لك، وبادر بالتوبة إلى الله عن الذنوب كلها قبل أن يفتضح أمرك أو يلقي الله لك البغضاء في قلوب من أحبوك.

المفسدة الثالثة

عَدَمُ التزام الأدبِ في الحَدِيثِ

وهذا باب واسع يدخل الشيطان منه لإيقاع التنافر والتباغض بين الإخوان، وأول هذا الأمر أن يعتقد البعض أن شدة قربه من أخيه تبيح له ترك مراعاة الأدب في الحديث ويسمى ذلك خطأ: رفع الكلفة، ولا يمكن أن يكون المراد برفع الكلفة رفع الأدب والحياء، وإنما رفع الكلفة بانبساط النفس والسهولة في التعامل مع بقاء الأدب والحياء والمحافظة على كل ما يرشد إليه الشرع من خلق أو سلوك.

ومن المظاهر التي يتمثل فيها الإخلال بأدب الحديث والتي تفسد المحبة والعلاقة بين الأصحاب:

• الحدة وعلو الصوت في مخاطبتك لأخيك أو مناقشتك معه والكلام الخشن:

فإن ذلك يشعر أخاك بتغير قلبك نحوه كما يشعره بالإهانة، مع كونه مخالفًا للسمت العام الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم وقد قص الله علينا وصايا لقمان وهو يؤدب ولده ويعظه لنستفيد منها فقال: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 19] .

ومما ينبغي للأخ مع أخيه في الحديث أن يلزم الكلمة الطيبة اللينة اللطيفة العفيفة ويحذر من الكلام الخشن والكلام الذي يستحيا منه أو ينفر منه أصحاب المروءة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (( أطيبوا الكلام ) ) [2] , وفي الحديث الصحيح [3] : (( لم يكن - صلى الله عليه وسلم - فاحشًا

(1) في الحلية (2/ 349) : قيل لمحمد بن واسع: إني لأحبك في الله. قال: أحبك الذي أحببتني له، اللهم إني أعوذ بك أن أُحَبَّ فيك وأنت لي ماقت أو مبغض. ورواه نعيم بن حماد في زوائد الزهد لابن المبارك وذكر عقبة قول سفيان: فكان يقال ... إلخ. زوائد الزهد رقم (56) ص 14.

(2) جزء من حديث رواه الطبراني (1/ 275/2) كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني حفظه الله رقم (1465) وصححه.

(3) جزء من حديث رواه البخاري في الأدب رقم (6029) ، ومسلم في الفضائل رقم (2321) ، والترمذي في البر والصلة رقم (1975) كلهم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وورد كذلك من حديث عائشة رضي الله عنها رواه الترامذي في البر والصلة رقم (2016) ، وأحمد في المسند (6/ 174، 236، 246) ، ورواه الترمذي أيضًا في الشمائل وصححه الألباني"مختصر الشمائل"رقم (298) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت