وقد سئل ابن القيم:- فما تقولون إذا لم تعد السلعة إليه، بل رجعت إلي ثالث، هل تسمون ذلك عينة؟
قيل:- هذه مسألة التورق، لأن المقصود منها الورق، وقد نص أحمد في رواية أبي داود على أنها من العينة، وأطلق عليها اسمها [1] .
الدليل الثاني: أن التورق آخية الربا: قال عمر بن عبد العزيز التورق آخية الربا، أي أصل الربا، قال ابن تيمية بعد أن روى هذا الرأي عن عمر: لأن غرضه - أي المستورق - الورق - بكسر الراء - لا السلعة، فإذا كان مرتبطا بالربا أخذ حكمه.
الدليل الثالث: كما استدلوا بما رواه سعيد بن منصور في سننه وعبد الرزاق في مصنفه وأن ابن عباس قال: إذا استقمت بنقد، ثم بعت بنقد فلا بأس به، وإذا استقمت بنقد، ثم بعت بنسيئة، فلا خير فيه فتلك دراهم بدراهم، وفى رواية بلفظ (( تلك ورق بورق ) ) [2]
قال ابن تيمية: ومعنى كلامه: إذا استقمت، إذا قومت. يعني: إذا قومت السلعة بنقد، وابتعتها إلي أجل، فإنما مقصودك دراهم بدراهم، هكذا"التورق"يقوم السلعة في الحال، ثم يشتريها إلي أجل بأكثر من ذلك. وقد يقول لصاحبه: أريد أن تعطيني ألف درهم، فكم تربح؟ فيقول: مائتين، أو نحو ذلك. أو يقول: عندي هذا المال يساوي ألف درهم، أو يحضران من يقومه بألف درهم، ثم يبيعه بأكثر منه إلى أجل، فهذا مما نهي عنه في الصحيح ...
والمفاسد التي لأجلها حرم الله الربي موجودة في هذه المعاملات، مع زيادة مكر وخداع، وتعب وعذاب. فإنهم يكلفون من الرؤية والصفة والقبض وغير ذلك من أمور يحتاج إليها في البيع المقصود، وهذا البيع ليس مقصودًا لهم، وإنما المقصود أخذ دراهم بدراهم، فيطول عليهم الطريق التي يؤمرون بها، فيحصل لهم الربا، فهم من أهل الربا المعذبين في الدنيا قبل الآخرة، وقلوبهم تشهد بأن هذا الذي يفعلونه مكر وخداع وتلبيس، ولهذا قال أيوب السختياني: يخادعون الله، كما يخادعون الصبيان، فلو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون عليَّ [3] .
وكذلك قال ابن القيم: في معنى كلام ابن عباس: إنك إذا قومت السلعة بنقد؛ ثم بعتها بنسيئة؛ كان مقصود المشترى شراء دراهم معجلة بدراهم مؤجلة وإذا قومتها بنقد ثم بعتها به؛ فلا بأس؛ فإن ذلك بيع المقصود به السلعة؛ لا الربا.
الدليل الرابع: أن التورق هو بيع مضطر، فيأخذ حكمه. فقد علل أحمد رحمه الله الكراهة في التورق بأنه بيع مضطر في إحدى الروايتين عنه. وقد روي أبو داود عن على:"أن النبي صلي الله عليه وسلم نهى عن المضطر."وفي المسند عن علي: قال"سيأتي على الناس زمان يعض المؤمن على ما في يده، ولم يؤمر بذلك، قال تعالى [4] : (ولا تنسوا الفضل بينكم) ويبايع المضطرون؟ وقد نهى رسول الله صلي الله عليه وسلم عن بيع المضطر"وذكر الحديث.
فأحمد -رحمه الله تعالى- أشار إلي أن العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نقد لأن الموسر يضن علينا بالقرض فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة، ثم يبيعها، فإن
(1) إعلام الموقعين ج 3 ص 170، وتهذيب ابن القيم ج 5 ص 97
(2) عبد الرزاق في مصنفه جـ 8 ص 238
3)... الفتاوى ج 29 ص 442 - 445
(4) سورة البقرة: آية 237