وروى أيضا عن أنس سئل عن العينة - اي بيع الحريرة - فقال:"إن الله لا يخدع هذا مما حرم الله ورسوله".
قال ابن القيم: وقول الصحابي حرم الله كذا - او أمر بكذا - وقضى بكذا، وأوجب كذا - في حكم المرفوع اتفاقا عند أهل العلم غلا خلافات شاذا لا يعتد به، ولا يؤبه له 2.
(هـ) وقالوا عن ذلك البيع ذريعة إلى الربا، فإنه يدخل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة إلى اجل معلوم. وبعبارة المالكية. إن المتعاقدين يتهمان بان قصدهما دفع دنانير بأكثر منها إلى اجل، وان السلعة واسطة لإظهار ذلك فيمتنع للذريعة، ولأنه يؤدي إلى سلف جر منفعة، وكل سلف جر منفعة فهو ربا"."
(و) والإجماع: قال ابن قيم الجوزية"وأيضًا فإن الصحابة - كعائشة، وابن عباس، وأنس - رضي الله عنهم - أفتوا بتحريم مسألة العينة، وغلظوا فيها هذا التغليظ في أوقات ووقائع مختلفة، فلم يجيء عن واحد من الصحابة ولا التابعين الرخصة في ذلك، فيكون إجماعا [1] ".
وقال ابن قيم الجوزية أيضا - بعد أن بين قوة حديث عائشة المتقدم -"وأيضا فلو لم يأت في هذه المسالة أثر لكان محض القياس، ومصالح العباد، وحكمة الشريعة تحريمها أعظم من تحريم الربا، فإنها ربا مستحل بأدنى الحيل [2] ".
"ونص الزيدية على انه يحرم ولا يصح لمن اشتره شيئا أن يبيعه مما شراه، حيلة، إذا كان ثمن الشراء نساء، وهذه تسمى مسالة العينة، نحو أن يريد أن يقرضه شيئا بزيادة كعشرة بخمسة عشر، فتوصلا إلى ذلك بأن يبيع منه سلعة بخمسة عشر نساء، أو نقدا، مع قصد الحيلة، ثم يشتري منه بعشرة نقدًا، فإن ذلك لا يصح، بل يكون باطلا، لأنه توصل إلى الربا، إلا في أربع صور، فيصح: (الأولى) أن يبيعه من غير البائع، فإنه يجوز أن يبيع من غيره بأقل مما شراه (وهي مسألة التورق) غلا أن يقصد الحيلة، كان يكون الغير دليل البائع أو شريكا، أو مضاربا، فإنه لا يجوز، (الصورة الثانية) أن يبيعه من البائع ويكون ذلك غير حيلة يتوصل بها إلى قرض ونساء، فإن لم يكن على وجه الحيلة جاز ذلك، أما إذا كان البيع منه للحيلة فلا يجوز (الصورة الثالثة) أن يبيعه بغير جنس الثمن الأول، ولو كان أقل منه في تقدير قيمته، إذا لم يقصد بذلك الحيلة، فإنه يجوز ولو اشتراه بدنانير وباعه بدراهم، إذ هم جنسان، فأما لو قصد الحيلة فإن ذلك لا يجوز على أي وجه (الرابعة) أن يكون النقص من الثمن يقدر ما انتقص من عين المبيع، أما إذا كان النقص لنقص سعره فلا يجوز".
(1) إعلام الموقعين ج 3 ص 167، ثم يقول:"وأيضا، فكيف يليق بالشريعة الكاملة التي لعنت أكل الربا ومؤكله، وبالغت في تحريمه، وأذنت صاحبه بحرب من الله ورسوله، أن تبيحه بأدنى الحيل مع استواء المفسدة؟ ولولا أن عند أم المؤمنين (عائشة) رضي الله عنها علما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تستريب فيه، ولا تشك بتحريم مسألة العينة، لما أقدمت على الحكم بإبطال جهاد رجل من الصحابة باجتهادها، لا سيما إن كانت قصدت أن العمل يبطل بالردة، واستحلال الربا ردة - ولكن عذر زيد بن أرقم - رضي الله عنه - أنه لم يعلم أن هذا محرم، كما عذر ابن عباس - رضي الله عنه - بإباحته بيع الدرهم بالدرهمين - وإن لم يكن قصدها هذا،،بل قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد، ويصير بمنزلة من عمل حسنة، وسيئة بقدرها، فكأنه لم يعمل شيئا، ولو كان هذا اجتهادا منها لم تمنع زيدا منه، ولم تحكم ببطلان جهاده، ولم تدعه إلى التوبة، فإن الاجتهاد لا يحرم الاجتهاد، ولا يحكم ببطلان عمل المسلم المجتهد بمخالفته لاجتهاد نظيره، والصحابة - ولا سيما أم المؤمنين - أعلم بالله ورسوله، وأفقه في دينه من ذلك."
(2) نفس المرجع السابق.