(أما لو باعه سلعة بنقد ثم اشتراها منه بأكثر منه نسيئة) فنقل أبو داود يجوز بلا حيلة، ونقل حرب أنها مثل مسألة العينة، وجزم به المصنف في الإقناع وصاحب المنتهى، وقدمه في المبدع وغيره، قال في شرح المنتهى: وهو المذهب، لأنه يتخذ وسيلة للربا كمسألة العينة، وكذا العقد الأول فيهما، حيث كان وسيلة إلى الثاني فيحرم ولا يصح [1] .
وقال الجرجاني [2] : بيع العينة هي أن يأتي الرجل رجلا يستقرضه فلا يرغب المقرض في الإقراض طمعا في الفضل الذي لا ينال بالقرض فيقول: أبيعك هذا الثوب باثني عشر درهما إلى أجل وقيمته عشرة؛ ويسمى عينة؛ لأن المقرض أعرض عن القرض إلى بيع العين.
اختلف الفقهاء في حكم هذا النوع من البيع، ولهم ثلاثة آراء:
الرأي الأول: يرى أن بيع العينة غير جائز شرعا:
قال ابن قدامة:- وهو قول أكثر أهل العلم، روى ذلك عن ابن عباس، وعائشة، والحسن، وابن سيرين والشعبي والنخعي [3] وبه قال أبو الزناد، وربيعة، وعبد العزيز بن أبي سلمة، والثوري والأوزاعي، وإسحاق، ومالك، وهو قول طاووس وحماد ومجاهد، ورأى الزيدية إذا كان حيلة يتوصل بها إلى قرض ونساء ورأي للإباضية.
ونورد فيما يلي بعضا من النصوص الفقهية:
فقد نص المالكية على أن من يشترى سلعة ثم يبيعها من بائعه، له عدة صور، منها ما هو جائز، ومنها ما هو غير جائز، ونورد فيما يلي ما لا يجوز من هذه الصور:
الصورة الأولى: أن يبيعها من بائعها بأقل من الثمن نقدا، أو إلى اقرب من الأجل فهذه لا تجوز، لأنها تؤدي إلى سلف جر منفعة، فإن السابق بالدفع يعد مسلفًا، لان كل من قدم ما لا يحل عليه (أي تقديمه) عد سلفًا؛ فهو قد قدم دفع الأقل ليأخذ السلعة التي ثمنها أكثر مما دفع.
الصورة الثانية: أن يبيعها من بائعها بأكثر من الثمن إلى أبعد من الأجل، أكثر، وكل من أخذ شيئا قد حل له (أي أجله) عد مسلفا.
ولأن المتعاقدين - في هاتين الصورتين - يتهمان بأن قصدهما دفع دنانير بأكثر منها إلى أجل، وان السلعة واسطة لإظهار ذلك - فيمتنع سدًا للذريعة وأما سائر الصور فلا تتصور فيها التهمة.
فإن وقعت إحدى هاتين الصورتين الممنوعتين فسخ البيع الثاني خاصة عند ابن القاسم، والبيعتان معا عند ابن الماجشون [4] .
(1) كشاف القناع جـ 3 ص 186، ومنتهى الإيرادات جـ 2 ص 158
(2) التعريفات للجرجانى على ابن محمد ابن على المتوفى سنة 816 هـ.
(3) لكن ورد في مصنف عبد الرزاق: أخبرنا عبد الرزاق، عن الأعمش، عن إبراهيم وإسماعيل، عن الشعبي: لم يكونا يريان بالعينة بأسا. خبر رقم 14820 ج 8 ص 168.
(4) القوانين الفقهية لابن جزي 297 - 298،وقد عد الصور 27 صورة: اثنتان ممنوعتان، والباقي جائز، فقد قال في بيوع الآجال: وهي أن يشتري سلعة ثم يبيعها من بائعها على أن يتصور في ذلك صور كثيرة، منها ما يجوز ومنها ما لا يجوز، وبيان ذلك أنه يتصور أن يبيعها منه بمثل الثمن الأول أو أقل أو أكثر، ويتصور في كل وجه من ذلك أن يبيعها إلى الأجل الأول أو أقرب أو أبعد، وفي معنى الأقرب النقد، فتكون الصور تسعا لأن ثلاثة في ثلاثة بتسعة: الأولى: أن يبيعها بمثل الثمن إلى مثل الأجل. الثانية:: أن يبيعها بمثل الثمن إلى أبعد من الأجل. الثالثة:: أن يبيعها بمثل الثمن بالنقد أو أقرب من الأجل. الرابعة:: أن يبيعها بأقل من الثمن إلى مثل الأجل. الخامسة:: أن يبيعها بأقل من الثمن إلى أبعد من الأجل، فهذه الصور الخمس جائزة اتفاقا. السادسة: أن يبيعها بأقل من الثمن نقدا أو إلى أقرب من الأجل، فهذه لا تجوز لأنها تؤدي إلى سلف جر منفعة، فإن السابق بالدفع يعد مسلفا لأن كل من قدم ما لا يحل عليه عد مسلفا، فهو قد قدم دفع الأقل ليأخذ السلعة التي ثمنها أكثر مما دفع. السابعة: أن يبيعها بأكثر من الثمن إلى مثل الأجل. الثامنة: أن يبيعها بأكثر من الثمن إلى أقرب من الأجل، أو نقدا فتجوز هاتان الصورتان. التاسعة: أن يبيعها بأكثر من الثمن إلى أبعد من الأجل، فهذه لا تجوز لأنها تؤدي إلى سلف جر منفعة، فإنه أخره بالثمن ليأخذ أكثر، وكل من أخر شيئا قد حل له عد مسلفا. فتلخص من هذا أنه تجوز سبع صور وتمنع اثنتان، وهما بأقل من الثمن إلى أبعد من الأجل، لأن كل واحدة منهما تؤدي إلى سلف جر منفعة ولأن المتعاقدين يتهمان بأن قصدهما دفع دنانير بأكثر منها إلى أجل، وإن السلعة واسطة لإظهار ذلك، فيمتنع سدا للذريعة، وأجازهما الشافعي وداود حملا على عدم التهمة ولأنهما جعلا الإقالة بيعا ثانيا.) وأما سائر الصور فلا تتصور فيها تهمة، فإن وقعت إحدى هاتين الصورتين الممنوعتين فسخ البيع الثاني خاصة عند ابن القاسم والبيعتان معا عند ابن الماجشون.
تكميل: قد تكون الصور سبعا وعشرين وذلك أن الصور التسع المذكورة يتصور فيها أن يبيع بزيادة عليها، وأن يبيع بعضها فثلاثة في تسعة بسبعة وعشرين، والقانون فيما يجوز منها وما لا يجوز، أنه إن كان البيع الثاني إلى مثل الأجل الأول جاز مطلقا لوقوع المقاصة فيه، وإن كان نقدا أو إلى أقرب من الأجل، فإن كان اشتراها أو بعضها فيجوز بمثل الثمن أو أكثر ولا يجوز بأقل، وإن كان اشتراها وزيادة عليها فلا يجوز بمثل الثمن ولا بأقل ولا بأكثر، وأما إلى أبعد من الأجل فإن كان اشتراها وحدها أو اشتراها وزيادة عليها فيجوز بمثل الثمن وأقل ولا يجوز بأكثر، وإن كان اشترى بعضها فلا يجوز بمثل الثمن ولا أقل ولا أكثر. ويراجع الذخيرة ج 5 ص 16 - 20 وحاشية الدسوقي ج 2 ص 88