أورد الحنفية للعينة صورًا، فقالوا:
-إذا كفل رجل عن رجل بألف بأمره، فأمر الأصيل (المديون) الكفيل أن يشتري له حريرا بطريق العينة، وهو أن يشتري له حريرا بثمن هو أكثر من قيمته ليبيعه (الكفيل) بأقل من ذلك الثمن لغير البائع، ثم يشتريه البائع من ذلك الغير بالأقل الذي اشتراه به، ويدفع ذلك الأقل إلى بائعه، فيدفعه بائعه إلى المشترى، فيسلم الثوب للبائع، كما كان. ويستفيد الزيادة على ذلك الأقل. وإنما وسطا الثاني تحرزًا عن شراء ما باع قبل نقد الثمن.
-فإذا فعل الكفيل ذلك كان مشتريًا لنفسه ن والملك له في الحرير ن والزيادة التي يخسرها عليه، لان ضمان الخسران باطل، لأن الضمان لا يكون إلا بمضمون، والخسران غير مضمون على أحد.
-وقيل: هو توكيل فاسد، لأنه غير معين مقداره ولا ثمنه، فلا تصح الوكالة. وكيفما كان، توكيلًا فاسدًا أو ضمانا باطلان يكون الشراء للمشتري وهو الكفيل، والربح - أي الزيادة التي يخسرها - عليه، لأنه العاقد.
-ومن صور العينة أيضا: أن يقرضه مثلا خمسة عشر درهما، ثم يبيعه ثوبًا يساوي عشرة بخمسة عشر، ويأخذ الخمسة عشر القرض منه، فلم يخرج منه إلا عشرة، وثبت له خمسة عشر.
ومن صورها: أن يجعل المقرض والمستقرض بينهما ثالثا:
وذلك بأن يبيع"المقرض"متاعه بألفين من المستقرض إلى أجل، ثم يبعث متوسطًا يشتريه لنفسه بألف حالة، ويقبضه، ثم يبيعه (المتوسط) من البائع الأول (المقرض) بألف، ثم يحيل المتوسط بائعه (المستقرض) على البائع الأول بالثمن الذي عليه، وهو ألف حالة، فيدفعها (المقرض) إلى المستقرض، ويأخذ منه ألفين عند الحلول (وهما ثمن المتاع الذي باعه له بألفين إلى أجل) .
قال الحنفية: وهذا البيع مكروه، مذموم اخترعه أكلة الربا، وقد ذمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال:"إذا تبايعتم بالعين، واتبعتم أذناب البقر ذللتم، وظهر عليكم عدوكم [1] ."
وقال محمد رحمه الله: هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال ذميم اخترعه أكلة الربا، وقد ذمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال"إذا تبايعتم بالعين واتبعتم أذناب البقر ذللتم وظهر عليكم عدوكم"أي اشتغلتم بالحرث عن الجهاد. وفي رواية"سلط عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لكم"وقيل: إياك والعينة فإنها لعينة. قال ابن الهمام: ثم الذي يقع في قلبي أن ما يخرجه الدافع إن فعلت صورة يعود فيها إليه هو أو بعضه كعود الثوب أو الحرير في الصورة الأولى، وكعود العشرة في صورة إقراض الخمسة عشر فمكروه (أي تحريمًا) .
وإلا فلا كراهة إلا خلاف الأولى على بعض الاحتمالات كأن يحتاج المديون إلى قرض، فيأبى المسئول ان يقرض، بل ان يبيع ما يساوي عشرة بخمسة عشر إلى أجل، فيشتريه المديون، ويبيعه في السوق بعشرة حالة، ولا بأس في هذا فإن الأجل قابله قسط من الثمن والقرض غير واجب عليه دائما بل هو مندوب، فإن تركه بمجرد رغبة عنه إلى زيادة الدنيا فمكروه أو لعارض يعذر به فلا يكره، وإنما يعرف ذلك في
(1) شرح فتح القدير للكمال بن الهمام ص 7،ص 211 ط دار الفكر، والعناية للبابرتي دار الفكر، وحاشية ابن عابدين على رد المحتلر عن الدر المختار ج 4 ص 279.